الأربعاء، فبراير 18، 2009

حقائق عن قضية فلسطين 10 للحاج أمين الحسيني مفتي القدس

سياسة بريطانيا

قائمة على أساس ضمان مصالحها الاستعمارية

لماذا تنصر إنجلترا اليهود على العرب

مصالحة العرب لليهود انتحار للأمة العربية

السؤال العاشر :

أ - هل تعتقدون بأن في الإمكان حمل بريطانيا بالوسائل، السياسية وبالدعاية على العدول عن سياستها الاستعمارية واليهودية في فلسطين والبلاد العربية ؟

ب - ما رأيكم في أمر عقد الصلح بين العرب واليهود الذي تلح في عقده إنجلترا وأمريكا، وفي ما يدعي من أن عقد الصلح يضع حداً للمطامع اليهودية، ويؤدي إلى حل سائر القضايا العربية المعلقة مع الدول الاستعمارية ؟

الجواب :

لا أعتقد أن الأساليب الدبلوماسية ووسائل الدعاية كافية لتحويل بريطانيا عن سياستها الاستعمارية وجبلتها الفطرية، فالإنجليز قوم يعيشون في جزر لا يكفي ناتجها لتموين شعبها أكثر من ستة أسابيع، إلى ثمانية .أما مؤونة الشهور العشرة الباقية من السنة فهم مضطرون للحصول عليها من خارج بلادهم . وقد جعلتهم طبيعة جزرهم الفقيرة يعولون بادئ الأمر في معيشتهم على صيد الأسماك ثم أخذوا يوغلون في البحار طلباً للرزق، ولا يتورعون – في سبيل معيشتهم – عن المغامرة والغزو والقرصنة التي تطورت فيما بعد إلى غزوات استعمارية منظمة قوامها أسطولهم البحري الذي بالغوا في تقويته وتعظيمه يوماً بعد يوم .

ومن تتبع تاريخ الإنجليز، أيقن أن طبيعة بلادهم كان لها التأثير الأول في رسم منهاج حياتهم الذي وضع على أساس الغزو والاستعمار . وقد كانت وجهتهم الأولى الأقطار المجاورة لهم من أوربا فاشتبكوا معها في حروب ومنازعات انتهت بطردهم من تلك الأقطار التي استعصت عليهم وقاومتهم بشدة ، ثم كانت وجهتهم نحو أمريكا التي قاومتهم أيضاً وطردتهم فجلوا عنها، وكذلك اتجهوا شطر البلاد العربية والشرق بعد ما تمت لهم الغلبة على الأسطول الأسباني في معركة الأرمادا ثم بعد امتلاكهم جبل طارق عام 1704 ودخولهم منه إلى البحر الأبيض .

فالاستعمار عند الإنجليز حاجة ملحة ، وطبيعة متحكمة.

ومكلف (الأقوام) ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار

فهم يكفلون به حياتهم ونفقات أسطولهم وجيوشهم ، ويضمنون لأنفسهم وأهليهم خفض العيش والثراء العظيم والقوة والمنعة، فكيف يتحولون إذن عن الاستعمار طوعاً واختياراً، وأي الأقوام يستعمرون بعدما صدتهم أوربا وأمريكا عنها ولاسيما بعدما جلوا مكرهين عن معظم الأقطار التي كانوا يسيطرون عليها في آسيا كالهند وباكستان وبورما وسيلان، وبعدما تلاشى نفوذهم في الصين وإيران وأخذ ظلهم يتقلص عن بلاد الملايو ؟ إنهم لم يجدوا أهون عليهم وأسلس قياداً لهم من الأقطار العربية في بقية آسيا وفي أفريقية التي استخذت لسلطانهم واستكانت لاستعمارهم واستمرأت مرعي الذل والهوان !

ومن ظن أن إنجلترا تعدل سياستها وتطوي شباكها الاستعمارية بالدعاية بالأساليب السياسية واستثارة عاطفتها الإنسانية فقد ضل ضلالاً بعيدا، فإن هذه الدولة الداهية لا تتأثر مطلقاً بالعاطفة لأنها لا ترتجل سياستها ارتجالاً بل تسير بها وفق خطة مدروسة درساً عميقاً، وممحصة تمحيصاً دقيقاً من الخبراء المجربين ذوي الدربة والرأي ، ثم تقر لها سياسة ثابتة قائمة على أساس ضمان مصالحها قبل كل شيء ولا تحيد عنها إلا لأسباب وعوامل قوية تضطرها إلى التعديل أو ترغمها على التبديل ، كأن ترى في الأمة العربية وعياً صحيحاً، وتلبس فيها عزيمة قوية لا يتطرق إليها وهن، وتوقن أنها مصممة تصميم المستميت على بلوغ أهدافها وغايتها، فعندئذ تيأس إنجلترا من استعمارها للأمة العربية ، وتخرج من أقطارها مرغمة كما خرجت من الهند وباكستان وسائر الأقطار التي تكونت منها إمبراطوريتها الآسيوية الغابرة .

لماذا تناصر إنجلترا اليهود، تأثر الشعب البريطاني بالتوراة :

أما عدول إنجلترا عن مناصرتها للصهيونية فهو بعيد لأسباب كثيرة أهمها ما يأتي :

أ- التأثير الروحي الديني للتوراة ، العهد القديم، على البروتستانتية ، الدين الرسمي لإنجلترا، التي كانت أول دولة احتضنت القضية الصهيونية وآمنت بدعوتها وعملت ما في وسعها لتعزيز فكرتها ومبادئها، وقد أوضح هذه الناحية من نواحي القضية الصهيونية، الزعيم اليهودي وايزمن إذ يقول في مذكراته : (أن السبب الرئيسي لفوز اليهود في الحصول على وعد من بريطانيا بإنشاء الوطن القومي لليهود هو شعور الشعب البريطاني المتأثر بالتوراة) ومعنى هذا أن العقيدة البروتستانتية التي يعتنقها الإنجليز والأمريكيون تستند على العهد القديم (التوراة) التي جاءت فيها نبوءات بعودة اليهود إلى فلسطين والتي فسرت واستغلت لصالح اليهود، ويؤيد ذلك ما وصف به تشرشل نفسه من أنه (صهيوني أصيل وأنه يصلي بحرارة لتحقيق أهداف الصهيونية العظيمة ...) .

تعاون الإنجليز واليهود :

ب- اعتقاد الإنجليز أن صالحهم يقضي عليهم بالتعاون مع اليهود في الظرف الحاضر كما تعاونوا معهم في الماضي، فقد كان ثمة تفاهم واتفاق بين الفريقين على أن تقوم إنجلترا بحماية اليهود ومساعدتهم في أقطار العالم ، ويقوم اليهود مقابل ذلك بترويج تجارتها وصناعتها وإمدادها بالأخبار والأسرار التي يتمكنون من الحصول عليها لتفرقهم في سائر أرجاء الأرض، وبالدعاية لها وعضدها مالياً . وما كان عمل دزرائيلي رئيس وزراء إنجلترا اليهودي وشراؤه لحساب الدولة الإنجليزية حصة كبيرة من أسهم قناة السويس بمساعدة بيت روتشيلد المالي اليهودي الشهير، إلا من هذا القبيل .

الإنجليز يخشون يقظة العرب ويعملون لتسليم القدس لليهود :

ج- خشية الإنجليز من يقظة العرب وازدياد قوتهم إذا تخلت إنجلترا عن مساعدتها للصهيونية، وعندئذ يتعذر عليها استعمار بلادهم والسيطرة عليهم سياسياً واقتصادياً وثقافياً ، فهم لذلك مصممون على تحقيق الأهداف الاستعمارية والصهيونية .

ومما يدل على ذلك ما يبذلونه من جهود خطيرة ومساع حثيثة لتقوية اليهود في فلسطين والتمهيد لهم للاستيلاء على مدينة القدس وبقية فلسطين ثم شرق الأردن بعدها فغيرها من البلاد العربية وقد بدا بجلاء ووضوح للجميع ما توسلت به إنجلترا من وسائل سياسية وضغط اقتصادي على مدينة القدس لحمل أهلها على الجلاء عنها بالتدريج ، ونقل دوائر الحكومة الرئيسية منها إلى عمان في الحين الذي كان اليهود فيه ينقلون دوائر حكومتهم من تل أبيب إلى القدس ليتخذوا منها عاصمة لدولتهم. والذي أعرفه أن المرحوم الملك عبد الله كان راغباً في اتخاذ القدس عاصمة لحكومته، فلما عارضه الإنجليز في ذلك حاول أن يجعل العاصمة (رام الله) وهي في ضواحي القدس وتبعد عنها 18 كيلومتراً فلم يسمح له الإنجليز بهذا أيضاً وأمروا بنقل جميع المصالح والإدارات الكبرى الفلسطينية إلى عمان، حتى مديرية الأوقاف .

ومن المحزن أن المساعي التي قامت بها الحكومة الأردنية لإنعاش القدس إنعاشا اقتصادياً وعقد بعض جلسات مجلس الوزراء ومجلس النواب فيها لم تستمر ولم تجد نفعاً لأن السياسة الاستعمارية اليهودية المبيتة للقدس وأهلها لا تزال هي المسيطرة والمتغلبة . كما أن الجيوش البريطانية المرابطة في قناة السويس والسودان والأردن والعراق وليبيا ومالطة وقبرص هي التي تحمي إسرائيل وتحول دون مقاومتها والقضاء عليها .

الطابور الإنجليزي الخامس في البلاد العربية :

وحسب الأمة العربية ما عانته من تجارب طويلة مريرة . ولو كانت الوسائل السياسية والدعاية تؤثر في إنجلترا لرأينا جدواها في البلاد العربية التي ابتليت باستعمارها منذ القديم ، فلا يجوز للعرب أن يلدغوا من هذا الجحر مئات المرات، وأن ينطلي عليهم مثل هذه الخزعبلات التي لا يجنح لها إلا أحد رجلين :

1- مغفل لا يعقل ولا يعتبر ، ولا يميز الخبيث من الطيب والنافع من الضار، وقد أخذت عليه سبيله وملكت لبه الدعاية الاستعمارية والثقافة الإنجليزية التي صبغته بصبغتها وصهرته في بوتقتها فأصبح مخدراً بها أو منوماً بمغناطيسها .

2- عامل من عمال إنجلترا وتابع من أتباعها ممن ماتت ضمائرهم وعاشت أطماعهم الخسيسة ورانت أوزارهم على قلوبهم فهم لا يرجعون .

هذا ولا ريب في أن إنجلترا استطاعت خلال احتلالها الطويل لمصر ولبعض البلاد العربية، أن تنشئ جيلاً من الناس ملكت عليهم ألبابهم ، واحتلت قلوبهم وعقولهم، فهم صنائعها الذين صنعتهم بيديها وفق مصالحها بواسطة مدارسها والمؤسسات الأخرى لثقافتها ودعايتها، ولاشك أن احتلال القلوب والعقول أبعد أثراً أو أشد خطراً من احتلال الديار والمنازل، بل الحصون والمعاقل . وقد عانت الأمة العربية من هؤلاء وأولئك بلاء عظيماً وهماً مقيماً لأن كثيرين منهم نبذوا عقولهم وقلوبهم وضمائرهم جانباً وأصبحوا طوع بنان المستعمرين ينظرون إلى إنجلترا نظرة الخاضع الخاشع إلى مولاه، أو نظرة المجنون إلى ليلاه ولسان حالهم يقول :

فإن تسلمي نسلم، وإن تتنصري يخط رجال بين أعينهم صلبا

أولئك هم علة العلل، والطابور "الرتل" الخامس الذي يعيث فساداً في بلاد العرب، ولاشك أن الطابور الخامس المؤلف من هؤلاء المسحورين بسحر إنجلترا، ومن الانهزاميين والنفعيين والأعوان الخائنين لهو أشد العناصر خطراً على الأمة العربية .

وهناك فريق ثالث لا ينقصه الإخلاص ولكن تنقصه التجربة والعبرة، ويخدعه من السياسة الإنجليزية لين الأفاعي في ملسها، وسعة حيلتها وطول أناتها حتى لكأنها تعمل بحكمة معاوية مؤسس الدولة الأموية في قوله : لو كان بيني وبين الناس شعرة ما قطعت قط، فإذا شدوها أرخيتها ، وإذا أرخوها شددتها . فإن من دعاء إنجلترا أنها لا تقطع رجاء من يكون لهم بها أي اتصال، ولا تدفعهم لليأس، بل تربطهم ولو بخيط واه من الرجاء ليظلوا معلقين في الهواء، وإني لأذكر كيف كان بعض الناس يستخفهم الفرح إذا سمعوا تصريحاً لنائب أو قرأوا مقالاً لكاتب في صحيفة إنجليزية فيه انتصار لقضيتهم . ولئن جازت علينا هذه الأوهام والمخادعات في الماضي فلن تجوز علينا بعد اليوم .

ولست أريد مما ذكرت من الحقائق التجني على إنجلترا والتأليب عليها، ولكني أقصد تحذير العرب من الانخداع بالأوهام الاستعمارية بعد أن تبين لهم أنها سراب لا ماء فيه ، وخداع لا خير فيه، أما إذا بدلت إنجلترا خطتها التدميرية حيال الأمة العربية ولزمت خطة الحياد في الصراع القائم بين العرب واليهود على الأقل فلاشك أن العودة إلى إقامة الصلات الحسنة معها أمر مرغوب فيه كما هي الحال مع غيرها من الدول، فليس في السياسة أحقاد دائمة أو خصومات مستمرة لذاتها، وكل أمة حية واعية إما تعادي أو تصادق وفقاً لمصالحها.

مساعي إنجلترا وأمريكا لحمل العرب على مصالحة اليهود :

إن مساعي الدول الغربية ولاسيما إنجلترا وأمريكا، لعقد صلح بين العرب واليهود، قد اتخذت شكل الإلحاح والإصرار.

فما انفك الإنجليز والأمريكيون واليهود يلجأون إلى جميع الوسائل لتحقيق هذه الغاية. ولعل من أفظع الوسائل التي لجأوا إليها مجزرة قرية (قبية) الوحشية التي دبر أمرها بليل، ثم استغلها الإنجليز والأمريكيون لاستصدار قرار من مجلس الأمن بضرورة إجراء مباحثات مباشرة بين الأردن واليهود لتكون تلك المباحثات خطوة أولى نحو الصلح تتبعها خطوات أخرى مع سائر الدول العربية .

والواقع أن الإنجليز والأمريكيين واليهود لا يكاد يشغلهم شاغل عن هذا الأمر فهم في مساعيهم لتحقيق رغبتهم الجامحة مدفوعون بعوامل الحرص على استبقاء الكيان اليهودي الذي أقاموه في فلسطين على أنقاض شعبها العربي، وتحقيق استقراره وازدهاره، لأنهم يعلمون حق العلم أن بقاء الكيان اليهودي الذي أوجدوه في فلسطين مستحيل ما دام العرب غير معترفين به ومقاومين له ، وإنه ما لم يعترف العرب بالدولة اليهودية ويتعاملوا معها فإن مصيرها إلى زوال محقق، طال الزمان أم قصر . ولا عبرة بالمساعدات السياسية والمالية والعسكرية التي تقدمها إنجلترا وأمريكا لليهود فسينضب معينها يوما ما، والمهم أن يظل العرب متنبهين لدسائس اليهود ومطامعهم ، عاملين على إحباطها .

مصالحة اليهود انتحار للأمة العربية :

أما الصلح الذي يحاول الإنجليز والأمريكيون واليهود عقده فإنهم يريدونه على أساس الأمر الواقع والوضع الراهن في فلسطين ولاشك أن صلحاً كهذا يعتبر انتحاراً للأمة العربية وقضاء مبرماً على مستقبلها واستقلال أقطارها ، بل هو عار يلحق بها مدى الزمن، وأعظم ضربة قاصمة تصيبها يعد كارثتها الفادحة بفلسطين ، فهو ينطوي على اعترافها بالأمر الواقع الذي أسفر عن اقتطاع فلذة من كبد الأمة العربية وضياع جزء من أجزاء العالم العربي وأقدسها وأكثرها أهمية عسكرية واقتصادية، والنزول عنه لشعب دخيل طامع معتد. فأية أمة من الأمم لديها مسكة من العقل أو ذرة من الشرف والعزة والكرامة تقبل بمثل هذا ؟

ويعقب الصلح مع اليهود بطبيعة الحال، قيام مناسبات دبلوماسية ، وعلاقات اقتصادية واجتماعية وغيرها، ويفسح المجال في الأقطار العربية (التي يطمع اليهود في السيطرة عليها وضم أقسام كبيرة منها إلى دولتهم) للدعاية الاستعمارية والدسائس الصهيونية، كما تفتح أمامهم أسواق الأقطار العربية لتصريف المصنوعات اليهودية والإفادة مما فيها من المواد الخام التي تحتاج إليها الصناعات اليهودية، وبعبارة أخرى يريد اليهود أن يجعلوا من فلسطين مركزاً صناعياً عظيماً في الشرق الأوسط وأن يجعلوا الأمة العربية مستهلكة لمصنوعات هذا المركز، لأن اليهود لا يستطيعون بطبيعة الحال أن يزاحموا صناعات أوربا وأمريكا ويصدروا إليها مصنوعاتهم فليس أمامهم إلا البلاد العربية لتصريفها فيها . وكذلك سيجد اليهود بفضل العلاقات السياسية والاقتصادية التي يحاولون إقامتها مع العرب إذا تم صلح، سبيلاً لنشر المبادئ والآراء والعقائد والأخلاق التي تجافي روح الإسلام وآداب العروبة. ثم أن عقد الصلح مع اليهود يجعل العرب مسئولين دولياً عن المحافظة على الوضع الذي سينشأ عن قيامه، ويفقدهم حرية العمل، ويجعل من العسير عليهم القيام بأي عمل يرجى منه صيانة عروبة فلسطين وتحريرها في المستقبل .

وقد يقول بعض الناس أن كل حرب قامت انتهت بصلح، وقياساً على هذا فإن الحرب بين العرب واليهود يجب أن تنتهي بصلح، وهذا قول مردود وحجة واهية، لأن ما وقع في فلسطين لم يكن حرباً بالمعنى الصحيح ، بل كان غزوة استعمارية جارفة، واغتصاباً لقطر من أهله وتشريدهم منه في الآفاق بعد سلبهم وانتهاب أموالهم وممتلكاتهم ، فهو استعمار بأفظع أشكاله وصوره، وأشنع أساليبه ، وأحقر وسائله، وإن الاعتراف بمثل هذا النوع من الاستعمار، بالصلح أو بغيره، سابقة رهيبة ستحترق بلظاها أقطار عربية أخرى على نفس الطريقة التي اتبعها اليهود في فلسطين بالاتفاق والتعاون مع الإنجليز والأمريكيين .

أما الزعم بأن عقد الصلح مع اليهود يقر الأمن والسلام في الشرق الأوسط، ويضع حداً للمطامع اليهودية في الأقطار العربية فهو بعيد جداً عن الحقيقة والواقع. لقد تحدثت في أجوبتي السابقة عن المطامع اليهودية في الأقطار العربية ، وسعى اليهود المتواصل لتحقيقها بما لا يدع مجالاً للشك والريب، ولو ادعى اليهود أنفسهم أن الصلح مع العرب يضع حداً لمطامعهم فعلى كل ذي عقل وإدراك أن لا يأبه لهذا الإدعاء ولا يخدع به فقد برهنت الأيام والتجارب الكثيرة على أن اليهود لا عهد لهم ولا ميثاق.

كيف وفد اليهود إلى فلسطين :

وفيما يتعلق بقضية فلسطين فقد بدأ اليهود غزوتهم لفلسطين بالتسلل إليها تحت ستار الدين والتظاهر بأنهم إنما يريدون أن يكون لهم فيها وطن روحي فحسب، وكانت طلائع هجرتهم إليها في البدء جماعات من العجزة والشيوخ.. فلما خدع الناس بهم ، أخذوا يفدون على فلسطين كمزارعين وخبراء وتجار وأطباء بحجة خدمة مجموع السكان، ولما وقعت فلسطين تحت براثن الاستعمار البريطاني، وبدأ سيل الهجرة اليهودية العرم يطغي على البلاد، وأخذ العرب في مقاومة ذلك الخطر، أعلن بعض زعماء اليهود أنهم يريدون أن يعيشوا بسلام وأمان مع أهل البلاد العرب دون أن يلحقوا بهم أي أذى أو ضرر . ثم بلغ بهم الأمر حد الإدعاء أن لا مطامع سياسية لهم في فلسطين وأن أقصى ما يهدفون إليه هو أن يتمتعوا في مناطق محددة منها بحريتهم الدينية، وشؤونهم الطائفية والثقافية .. ثم أعلنوا أنهم لا يطمعون في غير منطقة منها يتمتعون فيها بالحكم الذاتي (كانتون) ... وقالوا إن تلك الرغبة هي آخر ما يطلبون . وقد صدقهم كثيرون ، والحال أنهم كانوا يكيدون للعرب سراً ، بالتعاون مع الإنجليز، على تحويل فلسطين كلها إلى دولة يهودية ..

واليهود يتبعون الآن الطرق والأساليب نفسها بالنسبة للأقطار العربية، فقد ضللوا كثيرين من العرب بقولهم أنهم لن يتعدوا حدود التقسيم . وإذ بهم يتجاوزونه فيحتلون مناطق أخرى من فلسطين لم يخصصها لهم قرار التقسيم . وبعد أن ادعوا أنهم لم تعد لهم مطامع، رأيناهم عن طريق الدبلوماسية الغربية والضغط الاستعماري يضمون مناطق أخرى من فلسطين وفقاً لاتفاقية هدنة رودس ! ثم أن تصرفهم بالنسبة لمدينة القدس برهان ساطع على الطرق التي يتبعونها لتحقيق مطامعهم. انظر الخريطة مقابل صفحة (176) .

وها هم اليوم يطمعون في نهر الأردن، ويعلنون أن نهر الأردن هو الحد الطبيعي لدولتهم، ومعنى هذا أنهم يريدون ضم الأراضي الفلسطينية التي استولت عليها دولة شرق الأردن ، وبعد ذلك يعملون على ضم شرق الأردن نفسه ثم غيره من الأقطار العربية . وليس أدل على حقيقة مطامعهم من خريطة جغرافية لفلسطين وشرق الأردن يتداولونها بينهم ويدرسونها في مدارسهم، فهذه الخريطة تسمى الأقسام العربية من فلسطين وشرق الأردن (إسرائيل التي يحتلها العرب)!

ثم أن أوضاع الدولة اليهودية نفسها وظروفها ستضطر اليهود إلى التوسع والامتداد على حساب الأقطار العربية . ففي فلسطين المحتلة اليوم أكثر من مليون ونصف مليون من السكان ، لا تتسع الأراضي الحالية لهم، ولا تكفيهم حاصلاتها، وهم يعتزمون إبلاغ عدد السكان في تلك البلاد المحتلة إلى ثلاثة ملايين نسمة خلال عشر سنين، ويستحيل أن تستوعب فلسطين المحتلة ذلك العدد من السكان دون توسع وامتداد .

المجال الحيوي للدولة اليهودية :

فإذا ما أصر اليهود والدول العربية على عقد صلح، فلتضليل العرب، وحملهم على الاعتقاد بأن المطامع اليهودية في الأقطار العربية قد انتهت، وللحصول على فترة استجمام تدعيماً لكيانهم وإتماما لاستعدادهم لغزو الأقطار العربية، قطراً قطرا .

لقد أسلفت القول أن الهدف الحقيقي للحركة اليهودية هو أن تكون فلسطين قاعدة لهم يثبون منها إلى سائر الأقطار العربية ويسيطرون على اقتصاديات العالم العربي والشرق الأوسط الذي يعتبرونه (المجال الحيوي) للدولة اليهودية. وخطة اليهود هذه هي نفس الخطة التي اتبعها الإنجليز في التوسع والامتداد حتى صارت لهم إمبراطورية واسعة، ونفس الوسيلة التي اتبعها المهاجرون الأولون الذين حطوا رحالهم في أمريكا، ثم لم يلبثوا أن توسعوا شيئاً فشيئا وأبادوا سكان البلاد الأصليين ، الهنود الحمر، كما يجري تماماً في فلسطين الآن .

اليهود والقضايا العربية الأخرى :

ومن الجهل ، أو من التضليل والمخادعة ، الزعم بأن عقد صلح بين العرب واليهود يسهل حل القضايا العربية الأخرى المعلقة بين العرب والإنجليز وغيرهم. فما هي تلك القضايا المعلقة التي يتوقف حلها على حل الخلاف العربي اليهودي؟ أهي القضية المصرية وقد جثم الاستعمار على صدر مصر اثنين وسبعين عاماً، أم قضية السودان؟ إن كفاح مصر والسودان ضد الاستعمار ما زال قائماً منذ وطئتهما قدم أول جندي بريطاني، فلماذا لم يحل الإنجليز القضية المصرية قبل عشرات السنين عند ما لم يكن للدولة اليهودية ولا لوعد بلفور وجود، حتى مسألة تسليح الجيش المصري فقد منع الإنجليز عنه السلاح والعتاد قبل أن يكون لليهود في فلسطين وجود وكيان . فما أوهى إذن حجة الذين يزعمون أن عدم حل قضية فلسطين، قد أثر على قضية مصر وعرقل سبيل حلها .

أم هي قضية العراق التي لا يزال الإنجليز يحتفظون فيه بالقواعد العسكرية رغم أنوف أهله الكارهين لهم، المبغضين لاستعمارهم؟ أم هي قضية اليمن، أم قضايا الأقطار العربية المشمولة بالحماية الإنجليزية في ذلك الصقع العربي وفي أقطار أخرى من جزيرة العرب كالكويت والبحرين وعمان وقطر وحضرموت وغيرها؟ أم هي قضية البريمي التي يطمع الإنجليز بما فيها من بترول وقاموا يحاولون اغتصابها من المملكة العربية السعودية؟ أم هي قضايا المغرب العربي في شمال أفريقية التي تسلط عليها الاستعمار الفرنسي والتي يعود أمد بعضها إلى أكثر من قرن كامل كقضية الجزائر حينما لم يكن للدولة اليهودية ولا القضية الصهيونية ذكر يذكر أو خبر ينشر ؟ .

فإذا كان لذلك الزعم نصيب من الصحة فلماذا نالت سورية ولبنان استقلالهما وهما من قرب الجوار والصلة الوثقى بفلسطين بالمنزلة التي لا يجهلها أحد، ولم يؤثر في ذلك مشروع الإنجليز والأمريكيين في تشكيل الدولة اليهودية ؟

لا شك أن المطامع الاستعمارية هي المسؤولة عن بقاء أكثر القضايا العربية معلقة دون حل، وللاستعمار أساليبه ووسائله وأسلحته ، وقد أضاف إليها في الآونة الأخيرة سلاحاً جديداً هو الكيان اليهودي في فلسطين .


هناك 3 تعليقات:

عاشــــــ النقاب ـقــــة"نونو" يقول...

ماينفعش طبعا قراءة جزء واحد
هنقل كل السلسلة على المقاومة بتقسيمة اقل شوية
هقسم التدوينة الواحدة لاتنين او اكتر واحطها على كلنا مقاومة مترجمة لاحقا وبع اذنك لاهميتها
بارك الله فيكم وفي مجهودك
تحياتي

الفاتح الجعفري يقول...

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
ماشاء الله يابشمهندس تدوينات في غاية اهمية
مهم جدا ان نتعرف علي تاريخ انجلترا الاسود بشكل خاص هم واليهود وان نعرف بشكل عام عن البروتستانتية المسيحية وكيف نشئت واهدافها
---
اعجبني مقطع الطابور الانجليزي الخامس جدا وذكر الرجل له
فعلا مازلنا الي الا نعاني منهم وخاصة في طائفة العلمانيين فهم بحق وامثالهم وبال اكثر من الاستعمار نفسه ولعل اليهود استخدموا هذا الطابور بقوة في ترسيخ معتقداتهم ومؤامراتهم في بلاد الاسلام ولاشك ان مراكز العلمانيين واندية الروتاري تؤدي ماعليها بقوة
--
اكمل حفظك الله
جزاكم الله كل خير

مهندس مصري يقول...

عاشقة النقاب
=============
ده شئ يسعدني و يشرفني
الله يبارك في حضرتك

الفاتح الجعفري
==============
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
:)
و جزاك يا أخي