الجمعة، فبراير 20، 2009

حقائق عن قضية فلسطين 12 للحاج أمين الحسيني مفتي القدس

كيف تعالج قضية فلسطين وما هي الخطة المثلى لحلها ولمشكلة اللاجئين ولاسترداد عروبة فلسطين :

وإليكم الجواب على الشق الثاني من سؤالكم الأخير وهو :

- كيف تعالج هذه القضية ، وما هي الخطة المثلى لحلها ، ولمشكلة اللاجئين، ولاسترداد عروبة فلسطين ؟

لقد أشرت في أجوبتي السابقة إلى المؤامرة المبيتة ، بل الغزوة الخطيرة، التي أعدها التعصب الذميم والاستعمار الغاشم ، وغذتها الأحقاد القديمة ، منتهزة فرصة ما أصاب البلاد العربية والإسلامية من ضعف ووهن، وجهل وغفلة ، فصممت على القضاء علينا والتعفية على آثارنا، مبتدئة من هذه البقاع الفلسطينية المباركة لتتخذ منها رأس جسر ونقطة وثوب على الأقطار العربية المجاورة لزلزلة أركانها وتقويض بنيانها، ولو انحصرت الخصومة بالصهيونيين واليهود وحدهم لهان الخطب، ولكن المصيبة الجلي هي في تعضيد الدول الكبرى الاستعمارية، وفي مقدمتها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لليهود تعضيداً قوياً. ومساعدتهم سياسياً ومالياً وعسكرياً حتى زاد ما أغدقته الولايات المتحدة على الدولة اليهودية منذ تأسيسها عام 1948 حتى اليوم على ألفي مليون دولار هبات وقروضاً وتعويضات، عدا الأسلحة والمعدات والسفن والطائرات .

الولايات المتحدة الأمريكية تبنى أسطول "إسرائيل" البحري :

وقد نقلت الصحف عن شركات الأنباء بتاريخ 4 محرم سنة 1374 (2 سبتمبر 1954) : "إن حكومة "إسرائيل" تسلمت من أمريكا ثلاث قطع بحرية ضخمة هي جزء من أسطول يهودي كبير أوصت "إسرائيل" بصنعه في أحواض الولايات المتحدة وقد صرح أمريكي مسؤول أن الأسطول "الإسرائيلي" سيجعل من "إسرائيل" أقوى دولة بحرية في الشرق الأوسط، وإذا أضفنا إلى ذلك قواها الجوية والبرية المزودة بأحدث الأسلحة الثقيلة تأكدنا أن "إسرائيل" سيكون لها القول الفصل في منطقة الشرق الأوسط، وبذلك تقطع "إسرائيل" كل اتصال بحري أو جوي بين الأقطار العربية كما قطعت الاتصال البري بينها . فعلى الأمة العربية أن تعرف حقيقة وضعها وما هو عليه من خطورة ، وما يبيت لها من خطط لصدع كيانها وتقويض بنيانها، وعلينا أن نعترف بجسامة الكارثة التي نزلت بنا، وإن التجربة الاستعمارية الجديدة التي نفذت في فلسطين بإخراج شعبها والاستيلاء على أرضها ومقدساتها وأموالها ، إذا قوبلت بالخشوع والاستسلام ، ولم تصد بقوة وحزم، فإنها ستنفذ حتماً في الأقطار العربية المجاورة التي ستذكر يومئذ المثل المعروف: "إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض" .

علينا أن نعرف هذه الحقيقة المرة، لا لنستسلم لليأس الذي لا يليق بالأمم الحية فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ولا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، بل لنقوي عزيمتنا ونحفز هممنا، ونقابل جد الأعداء بجد مثله وتصميمهم بأعظم منه، ذلك الجد والتصميم اللذين غفلت عنهما الأمة العربية واستبدلت بهما التواني والهزل والعبث حتى وقعت كارثة فلسطين .

ولذلك فإن علينا معاشر العرب والمسلمين أن نعمل ما يأتي لمعالجة قضية فلسطين :

تعبئة روحية :

1- أن نقوم بتعبئة روحية قوية، عاملين على بعث الرجاء في النفوس ، ونزع اليأس من القلوب، فنفعم نفوسنا وقلوبنا أفراداً وجماعات، بالإيمان الصادق، واليقين بالفوز والنصر، وباستنقاذ وطننا واستعادة كرامتنا غير مترددين ولا مرتابين (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم) . فقد سقطت بلادنا المقدسة في أيدي المعتدين مراراً ثم استنقذت منهم، ولنا شواهد عديدة على ذلك في التاريخ قديماً وحديثاً بل في الحرب العالمية الأخيرة ، فإن شعوباً كثيرة استعادت أوطانها بعد ما قضى عليها المتغلبون واجتاحها الأقوياء المسيطرون .

الجد والتصميم وتوطين النفس على المكروه :

2- أن ندع الهزل والتواني والإهمال، ونعتصم بالجد كل الجد في معالجة قضيتنا ونصمم على بلوغ غايتنا مستهينين بكل العقبات والمصاعب، وأن نوطن نفوسنا على المكاره وتحمل أشد الآلام وأغلى التضحيات في سبيل تحقيق أهدافنا واستنقاذ بلادنا التي هي ميراثنا الديني والقومي والتاريخي، ذاكرين قوله تعالى : (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلو من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب) .

اذكروا فلسطين :

3- أن تعمل الأمة العربية في سائر أقطارها وأمصارها، على ذكر فلسطين وقضيتها والدعاية الواسعة لها وتدريس تاريخها في سائر مدارسها ، وترديد اسمها وكارثتها في الصحف والمجالس والمدارس، وأن توزع خريطتها وصور أماكنها المقدسة في كل مكان ، وأن تفعل في ذلك فوق ما فعلته فرنسا حينما انتزعت منها الالزاس واللورين ، إذ فرضت على جميع الفرنسيين أن يضعوا خريطتهما في بيوتهم ومتاجرهم ومدارسهم وكنائسهم، وأن يدرسوا تاريخهما وجغرافيتهما في معاهدهم قبل سائر الولايات الفرنسية، وأقامت بالإضافة إلى ذلك نصباً تذكاريا رمزا للالزاس والورين في مكان خاص بالعاصمة الفرنسية ليحج إليه الفرنسيون من سائر الطبقات تذكيراً لهم بهذا الجزء الذي اعتبروه مغصوباً من الوطن الفرنسي .

وأن تصلح الأمة العربية الخطأ الفادح ، بل الخزي الفاضح، الذي اقترفته بإهمالها ذكر فلسطين، وقبولها بطمس اسمها ومحو رسمها من خريطة العالم إذ أصبح القسم الذي احتله اليهود من فلسطين يدعي "إسرائيل" والقسم الآخر المجاور لنهر الأردن "الضفة الغربية" ولم يبق حاملاً اسم فلسطين إلا منطقة غزة التي يحميها الجيش المصري. وعلى الأقطار العربية أن تعني كل العناية بنشر اسم فلسطين وقضيتها بأوسع نطاق كما فعلت الحكومة السورية مشكورة من تأليف الكتب عن تاريخ فلسطين وقضيتها وإلزامها جميع المدارس السورية بتدريسها فيها .

تعبئة عسكرية

4- تعبئة الفلسطينيين تعبئة عسكرية بأعدادهم جسمياً وعسكرياً بتدريبهم وتجنيدهم وتسليحهم وتحويل جميع القادرين منهم إلى مجاهدين وأن يكون عليهم المعول في حراسة الحدود وتحصينها والدفاع عنها وقد قامت أدلة وبراهين لا تنقص على أن أولى الناس بالذود عن الحدود والصمود لليهود، هم أهل فلسطين، ومن الشواهد على ذلك ما ذكره اللواء علي نجيب سفير مصر في سورية فقد اطلعت على تصريح له في بعض الصحف العربية يشيد فيه ببسالة مجاهدي قرية "فلامية" واستماتتهم في دفع قوات الجيش اليهودي المعتدي على قريتهم، ولما قابلته في ربيع الآخر 1373 الموافق ديسمبر 1953 بدمشق سألته عن تصريحه هذا فأكده وروي لي عن شدة كفاح مجاهدي هذه القرية الفلسطينية الصغيرة وحسن بلائهم في دفع عدوان اليهود عن قريتهم ما يدهش .

وهناك شهادات كثيرة على بسالة أهل قلقيلية وإدنا وخوسان ونحالين وغيرها تؤيد ما نقول وتؤكد صحة هذه الخطة التي بذلنا ما وسعنا لتحقيقها منذ حلول الكارثة، ولقد قدمنا في هذه السبيل عشرات المذكرات وقمنا بالمحادثات في مئات الجلسات حتى استجاب لمطالبنا بعض الأقطار فجند بعض اللاجئين . وإنا لنرجو أن تعم هذه الفكرة وأن ينقلب جميع القادرين من الفلسطينيين إلى "مجاهدين" .

تحصين حدود فلسطين :

5- تحصين الحدود العربية المجاورة للمناطق التي احتلها اليهود تحصيناً عسكرياً فنياً لدفع حملات الأعداء المستمرة عليها وإحباط مطامعهم في تجاوزها إلى بقية المنطقة العربية من فلسطين وما وراءها .

تحسين مدينة القدس :

6- تحصين مدينة القدس تحصيناً فنياً قوياً ، والعناية التامة بالدفاع عنها، لأن مطامع اليهود فيها خطيرة جداً. فهم يريدون الاستيلاء عليها وإقامة هيكلهم الديني على أنقاض المسجد الأقصى المبارك . فإن هذه المدينة المقدسة التي تحتوي على المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في القرآن الكريم وأحد المساجد الثلاثة كما ورد في الحديث الشريف والقبلة الأولى للمسلمين ومكان الإسراء والمعراج للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والتي تحتوي غير ذلك على كثير من الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية والذكريات الدينية للسيد المسيح عليه السلام وغيره من أنبياء الله الكرام، عدا قبور الصحابة والتابعين وعشرات الألوف من الشهداء والمجاهدين ، قد أهملت شؤونها العمرانية والاقتصادية كما أهملت شؤونها العسكرية إهمالاً خطيراً فاضحاً وفقاً للخطة البريطانية الاستعمارية التي تعمل على إضعافها عسكرياً واقتصادياً لحمل أهلها العرب على النزوح عنها والهجرة منها تسهيلاً لاحتلال اليهود لها وتسليمهم إياها، في الوقت الذي كان اليهود ينقلون إلى القسم الغربي من القدس الذي احتلوه ، وزاراتهم ومجلسهم النيابي وبقية دوائرهم تمهيداً لاتخاذها عاصمة لهم، ولا يألون جهداً في عمرانها وإنعاشها اقتصادياً .

وإنه لمن العار على العرب والمسلمين أن تهمل هذه المدينة المقدسة التاريخية هذا الإهمال الشائن ، وليعلموا أن سقوط القدس والمسجد الأقصى بإهمالهم وسكوتهم وتخاذلهم نذير بسقوط الأماكن المقدسة الأخرى (لا سمح الله) فإن مطامع اليهود السافرة الخطيرة في شمال الحجاز والمدينة المنورة لم تعد خافية وقد ذكرناها بالتفصيل في بعض مقالاتنا السابقة .

إعادة قضية فلسطين إلى أهلها :

7- إعادة قضية فلسطين إلى الفلسطينيين فإنهم أحق بها وأهلها وأحدب عليها وأولى بالذود عنها والاستماتة في سبيلها . ولقد أثبتت التجارب أن هذه القضية كانت وهي في أيدي أهلها مصونة عزيزة الجانب إلى أن استطاعت المؤامرات الاستعمارية أن تنتزعها منهم بالتأثير على بعض الدول العربية فحرمتهم بذلك من الاشتراك الوافي في الحرب كما أبعدتهم عن ميدان السياسة، ولا تزال هذه السياسة الاستعمارية المسيطرة تقاوم بوسائلها المتعددة العناصر المؤمنة المجاهدة من أهل فلسطين لأنهم لم يخضعوا لسيطرتها ولم يخدعوا بمغرياتها .

فينبغي أن تعاد هذه القضية إلى أيدي أهلها المؤمنين المخلصين المصممين ليعيدوا إليها حيويتها ونشاطها، والأمل المرجو من الأقطار العربية أن تمدهم بالعون والثقة والتأييد وأن تحذر من الانخداع بالدعاية الاستعمارية اليهودية الدائبة على تشويه سمعة الفلسطينيين ومحاولة الإفساد والتفريق بينهم وبين إخوانهم العرب في سائر الأقطار .

موقف الحزم والصرامة من الدول الاستعمارية :

8- أن تقف الأمة العربية والعالم الإسلامي موقفاً صريحاً حازماً من الدول الاستعمارية التي تعضد اليهود وتساعدهم مالياً وسياسياً وعسكرياً ، وتحملها مسؤولية كل ما حدث ويحدث في هذه المنطقة من مظالم وفجائع وخسائر في الأنفس والأموال، ومن اضطراب لحيل الأمن وتعكير لصفو السلام، وأن تطالب هذه الدول الاستعمارية ، ولا سيما إنجلترا وأمريكا، بالعدول عن سياسة الظلم والتحيز ، وبالوقوف – بالأقل – على الحياد الصحيح، ولا تقبل أي تعاون سياسي أو اقتصادي أو حربي معها ما لم تعدل سياستها وتلزم جانب الحياد .

توحيد القوى وجمع الكلمة :

9- أن لا تألو البلاد العربية جهداً في سبيل توحيد القوى وجمع الكلمة والوقوف صفاً واحداً تجاه التيارات الاستعمارية والأخطار العسكرية والسياسية والاقتصادية وتوثيق التعاون بين الدول العربية ليكون لها وزن يعتد به في الميزان الدولي .

التمرد على الاستعمار :

10- أن تتمرد الأمة العربية على التوجيه الاستعماري، وأن تكون سياسة الأمة العربية صادرة عن صميم رغباتها وصادق شعورها ووفقاً لحاجاتها ومصالحها لا وفقاً لمصالح المستعمرين ، وأن تنبذ الذين ران الاستعمار على قلوبهم، واستولى على عقولهم ، وجعلهم آلات طيعة صماء يسخرها ويسيرها كيف يشاء ، وأن نقصي هذه الفئة الضالة من عملاء الأعداء وأنصارهم عن كافة الميادين العربية العامة .

الحذر من المستعمرين وجواسيسهم وعملائهم :

11- الحذر من عملاء المستعمرين وجواسيسهم ودعاتهم وشياطينهم الذين بثوهم في كل ناحية، دانية و نائية، من البلاد العربية، في دواوينها الرسمية، وبيوتها الخاصة، وسائر أماكنها الحساسة، وفي الأسواق والمعابد، والمدارس والمعاهد، وفي المدن والقرى، وفي السهول والجبال، والصحاري والفيافي . أولئك هم سمع الاستعمار وبصره وآلاته وأدواته المسخرة وهم الذين يؤلفون الطابور (الرتل) الخامس وقد بلغ عدد أفراد هذا "الطابور" في البلاد العربية نسبة لا مثيل لها في أي قطر من أقطار العالم، وأنبث أفراده بين الناس يحصون عليهم أنفاسهم، ويسجلون حركاتهم وسكناتهم ويسعون في الأرض فساداً جاهدين في تفريق كلمة الأمة وتشتيت شملها وتسميم أخلاقها الكريمة وعقائدها القويمة وتوهين روابطها وتقاليدها، ونشر روح الهزيمة فيها، دائبين على ذلك بنظام وبراعة ، وفق خطط مرسومة ليهدموا كيان الأمة العربية ويقوضوا بنيانها، فينبغي أن نحذر هؤلاء كل الحذر كما يجب اتخاذ وسائل المقاومة اليقظة المنظمة لشل حركاتهم وتضييق الخناق عليهم واطلاع الناس على كيدهم ومؤامراتهم ، وأخذهم بالحزم كما تفعل الأمم الحية مع أمثالهم لاتقاء شرورهم ورد كيدهم إلى نحورهم .

وصفوة القول أن الواجب يقضي بالوقوف موقف الحذر الشديد من دوائر المخابرات الأجنبية التي تحرك هؤلاء العملاء والدعاة والجواسيس وترسم لهم الخطط وتغدق عليهم الأموال بغير حساب. وهي تسخر أناساً من جميع الطبقات والمقامات من الرجال والنساء، من الأغنياء والفقراء، والوزراء والسفراء، ومن الخاصة والعامة، للعمل معها والتجسس لها، وترويج مصالحها وتنفيذ أغراضها، فهي من أعظم الأخطار وأكبر المصائب التي تحيق بالبلاد العربية. وكيف يرجى نجاة أمة ونجاحها وتقدمها وفلاحها بوجود هذه العوائق الخطيرة والعناصر الشريرة .

الخلق اليهودي :

وبعد فإن ثمة فرصاً يجب انتهازها، وأخطاء من الأعداء ينبغي استغلالها ، كما أن لنا أنصاراً يساعدوننا مساعدة إيجابية أو سلبية، وأعتقد أن لنا نصيراً سلبياً عظيم الأهمية ، وهو الخلق اليهودي المتأصل فيهم والذي طبعت عليه نفوسهم من أول عهدهم فكان من أهم أسباب فشلهم في جميع أدوار تاريخهم وبغض الناس لهم وخصومتهم واضطهادهم . ومن أبرز نواحي هذا الخلق اليهودي الغرور والإفراط في الأنانية الذي نشأ عن اعتقادهم بأنهم شعب الله المختار من دون الناس، والتطرف الذي لا حد له في المطامع والمطالب والرغبة في حرمان غيرهم من الخير مصداقاً لقوله تعالى فيهم : (أم لهم نصيب من الملك فإذن لا يؤتون الناس نقيرا) ، فلا حدود لمطامعهم ولا رحمة في قلوبهم، وقد اشتهروا باللدد في الخصومة والقسوة الشديدة كما وصفهم الله تعالى بقوله : (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون) .

فهذا الخلق الذي نشأ عن اعتقادهم بأنهم شعب الله الخاص، وأنهم أولى بخيرات هذه الدنيا من غيرهم من الأمم، جعلهم لا يقيمون وزناً لسواهم، ولا يعترفون بحق أو فضل لغيرهم، مما أيأس الناس في كل أدوار التاريخ من العيش معهم، وأعتقد أن هذا الخلق الذي هو (غضب الله) الملازم لهم، سيكثر من أعدائهم ويثير الأمم عليهم، ويكون حافزاً للعرب والمسلمين (الذين استحقوا بابتعادهم عن الله والدين القويم أن يبتلوا بطغيان اليهود وبغيهم وعدوانهم عليهم)، إلى اليقظة والتوبة والعودة إلى الله ، والصراط المستقيم، ولعل حكمة الله اقتضت أن لا تكون افاقتهم من سباتهم العميق، وانتباهتهم من غفلتهم الشديدة ، إلا بأقوى المنبهات وأشدها إيلاما لهم ووخزاً لجسومهم وأرواحهم فيرجعوا إلى سابق عهدهم وينقذوا بلادهم المقدسة من عدوان المعتدين ، سواء أكانوا أجانب مستعمرين أم يهوداً صهيونيين .

استنقاذ فلسطين ضرورة مبرمة للأمة العربية :

هذا ولا شك أن استنقاذ فلسطين واستردادها من أيدي الغاصبين ضرورة مبرمة لا محيد عنها وحاجة قصوى لا مناص منها للأمة العربية . فهي واسطة عقد أقطارها، وجامعة شملها ولحمة شطريها، والصلة الوحيدة التي تربط هذه الأقطار في كل من آسيا وأفريقية ببعض، وأن فقدها (لا سمح الله) سيقضي على كل اتصال بين هذه الأقطار ويعرضها لأشد الأخطار، وقد أخذ شعور العرب والمسلمين بهذا الخطر يزداد على توالي الأيام .

تصريحات خطيرة لجلالة الملك سعود :

وأقرب دليل وأصدق برهان على ذلك التصريحات الأخيرة التي صرح بها جلالة الملك سعود ملك المملكة العربية السعودية من أنه "إذا استمر الصهيونيون في عدوانهم على العرب وتهديدهم لكيانهم فليس أمام العرب والمسلمين إلا الدفاع عن أنفسهم وبلادهم بكل ما يملكونه من أنفس وأموال، وإن الملايين من العرب والمسلمين يتمنون أن تسفك دماؤهم في سبيل حماية المسجد الأقصى وأرضه المباركة من الصهيونيين ، وأن هذا آت لا ريب فيه طال الزمان أم قصر . ففلسطين للعرب وهي في نظرهم ونظر المسلمين أولى القبلتين وثالثة الحرمين الشريفين وجزء لا يتجزأ منهما، وعلى الدول المعنية بأمر الهدوء والسلام في الشرق الأوسط أن تتفهم هذه الحقيقة وتعيها وتضعها نصب أعينها، وإذا كانت هذه الدول قد وجدت من ساعدها على تنفيذ خطة الصهيونيين بإيجاد "إسرائيل" في فلسطين فإن الوعي العربي قد نما كثيراً في جماهير الشعوب العربية .."

وقد ورد في مكان آخر من التصريح المذكور لجلالة الملك سعود قوله : "أذاع بعض رجالات "إسرائيل" المسئولين أن "إسرائيل" يجب أن تنمو وتتسع حتى تشمل حوضي دجلة والفرات وشبه جزيرة سينا وشمال البلاد العربية السعودية بما فيها المدينة المنورة أحد الحرمين الشريفين ومثوى نبي المسلمين، وبعد كل ذلك، بلادي وبلاد كل عربي مسلم . ولقد ثبت لنا مطامع الصهيونية اليوم من أقوال رجالها وممن أوجدها ومن يدعون إليها . وهذه الخطة يجاهرون بها ويدرسونها لتلاميذ المدارس في "إسرائيل" ويحشون أدمغتهم بهذه الأوهام والخيالات ، ولا جواب لما يعملون اليوم من أجله إلا أن نعد لهم ما استطعنا من قوة" .

وكذلك تصريح سابق لجلالته نشرته وكالة اسوشياتد برس من الرياض بتاريخ 9 يناير سنة 1954 أعرب فيه عن استعداد العرب للتضحية بعشرة ملايين منهم ليعيشوا أعزة كراماً وزاد على ذلك بقوله : إن فلسطين سقطت في أيدي اليهود عام 1948 وخسر العرب معركتها لأنهم لم يكونوا متحدين ، ولو كنا اتحدنا يومئذ لما ظهرت "إسرائيل" إلى عالم الوجود، وإن "إسرائيل" جرح دام في جنب العالم العربي ولن نستطيع تحمل آلام هذا الجرح بل ليس لدينا الصبر الذي يمكننا من رؤية "إسرائيل" باقية تحتل جزءاً من فلسطين زمناً طويلاً .."

وهناك ما يملأ القلب إيماناً ويقيناً ، ويفرغ على النفوس سكينة وطمأنينة باسترداد هذه البلاد المباركة، وهو اعتقادنا الذي لا يتزعزع أن الله العظيم العادل، لن يترك هؤلاء اليهود المعتدين والمستعمرين الظالمين، من إنجلترا وأمريكيين وسواهم، ممعنين في بغيهم الأثيم، وإنه تعالى يمهل ولا يهمل، ويستدرج الظالمين إلى حيث يلقون جزاءهم العادل كما قال وهو أصدق القائلين : (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) ، (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) .

أيها الفلسطينيون، أيها العرب والمسلمون!

أعلموا أنكم في موقف حاسم من مواقف التاريخ، وعلى مفترق الطريق من مستقبل العروبة والإسلام، وأنكم تجابهون غزوة من أقسى غزوات البغي والطغيان، فإن لم تدركوا حقيقة هذا الموقف، وتجدوا كل الجد وتصمموا على بذل الجهد ودفع الثمن مهما غلا، فسيحل بكم بلاء عظيم وستصيبكم القارعة التي لا تبقى ولا تذر، والتي نسأل الله منها السلامة وحسن العافية .

وأعلموا أن المستعمرين والصهيونيين الذين أخرجوا عرب فلسطين من ديارهم وشردوهم في الآفاق إنما يقومون بتجربة جديدة للغزو الاستعماري وهي إبدال شعب بشعب بإبادة العرب وإحلال اليهود محلهم في فلسطين ، كما فعل الإنجليز والأمريكيون بالهنود الحمر وسكان استراليا الأقدمين، فإن استخذيتم ورضختم لهذا الظلم ولم تهبوا لدفعه فإن هذه التجربة بعد نجاحها في فلسطين ، ستنفذ حتماً في سائر الأقطار العربية .

الخلاصة

وخلاصة القول : إن معالجة قضية فلسطين واسترداد عروبتها لا يتم بالقول الهراء، ولا بمجرد التمني والدعاء . فإذا أردتم تحقيق ذلك فاشرعوا بالتعبئة الروحية، والتعبئة الحربية (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ودعوا الهزل واعتصموا بالجد والتصميم واذكروا فلسطين كذكركم أنفسكم أو أشد ذكراً ، وقوموا لها بالدعاية الواسعة، وحصنوا حدود البلاد، ومواقعها المنيعة في القرى والمدن ولا سيما "القدس" المدينة التاريخية وأماكنها المقدسة وأعيدوا قضية فلسطين إلى أهلها المستميتين في سبيلها، وانبذوا للأعداء على سواء، مصارحين الاستعمار بأنه سبب الداء، وأساس البلاء، ووحدوا الصفوف واستعصوا على التوجيه الاستعماري، وانبذوا الانهزاميين، وعملاء المستعمرين ودعاتهم، واتباعهم، وجواسيسهم وسائر رجال الطابور الخامس، واحذروهم . وأقصوهم عن القضية وعن سائر الميادين العامة العربية .

فإن فعلتم ذلك مستعينين بالله العلي القدير مستمسكين بحبله المتين فإنكم حينئذ تفوزون بالنصر المبين وباسترداد فلسطين، وتسترجعون كرامتكم وتحيون في أوطانكم حياة طيبة أعزاء آمنين،

هذه هي السبل القويمة التي توصلكم إلى أهدافكم وإلى إنقاذ بلادكم، فاسلكوها واسعوا إليها السعي الحثيث فالله تعالى يقول : (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) . وثقوا أنكم قادرون على تحقيق غاياتكم، وأنكم عائدون حتماً إلى بلادكم إن أخلصتم، وصممتم وسعيتم وجاهدتم ، وبذلتم أموالكم ، وسفكتم دماءكم .

وترد بالدم بقعة أخذت به

ويموت دون عرينه الضرغام

(ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز)

و قد إنتهى الكتاب و تبقى ملحق له عن وعد بلفور و بعض تداعياته بفلسطين من صك الإنتداب على فلسطين و تأسيس الوكالة اليهودية و غيرها

في الحلقة الأخيرة غداً

هناك 5 تعليقات:

همس الاحباب يقول...

مجهود رائع
اخى العزيز
جزاك الله خيرا
بس مع الاسف مضطر ارجع من الاول اقرا الكتاب بتمعن
تحياتى وتقديرى

بذرة امل يقول...

كتاب رائع
واختيار موفق
واضح إنى فاتنى كتير للأسف
بس صراحة استفدت جامد
اللهم انفعنا بما علمتنا
جزاكم الله خيرا يابشمهندس

مهندس مصري يقول...

همس الأحباب
==========
خطوة عزيزة يا باشا
راجع الحلقات القديمة براحتك
المهم تقرأها بتركيز علشان تستفيد منها

بذرة أمل
=========
شكراً
:)
راجعي الحلقات القديمة على مهلك لإنه كتاب مهم جداً و رادد على كل الأكاذيب الملفقة حول نكبة 1948

جزانا و إياكم

محمد الجرايحى يقول...

أخى الفاضل: مهندس مصرى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ستظل القضية الفلسطينية هى قضية الأمة
وستظل هى الجرح الغائر فى قلوب المسلمين ولن يندمل هذا الجرح إلا بتحرير كامل تراب فلسطين الطاهر وفك أسر المسجد الأقصى
أولى القبلتين وثالث الحرمين....
وندعو الله تعالى أن يكتب لنا أن نعيش هذا اليوم وأن نكون مشاركين فيه، وأن يكتب لنا انتصاراً أو شهادة فى سبيله
سبحانه وتعالى

بارك الله فيك أخى الكريم وأعزك

أخوك
محمد

مهندس مصري يقول...

محمد الجرايحي
===========
آميين آميين
و بارك فيك انت ايضاً يا اخي
:)