الخميس، فبراير 12، 2009

حقائق عن قضية فلسطين 4 للحاج أمين الحسيني مفتي القدس


سعي الإنجليز واليهود
لتحويل فلسطين العربية إلى دولة يهودية
كيف شكلت بريطانيا الفيلق اليهودي؟
الهيئة العربية العليا عارضت في خروج العرب من فلسطين
السؤال الرابع :
أ- يتحدث الناس عن مشكلة اللاجئين ، ولماذا خرجوا من بلادهم . فما هي الأسباب الأساسية لخروج الفلسطينيين من وطنهم، وهل للإنجليز واليهود ، وخاصة الأعمال الإرهابية اليهودية علاقة بذلك ؟
ب- ويقول بعض الناس بأن سماحتكم والهيئة العربية العليا طلبتم من أهل فلسطين الخروج من البلاد على أثر صدور قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947 وقيام الاضطرابات في فلسطين .
فماذا تقولون في ذلك ؟
الجواب :
المؤامرة الاستعمارية اليهودية على العرب :
ترجع الأسباب الحقيقية لخروج أهل فلسطين من بلادهم إلى المؤامرة الاستعمارية اليهودية المبيتة ضدهم ، وقد سبقت الإشارة إلى بعض البراهين القاطعة على هذه المؤامرة .
وقبل أن أسرد هذه الأسباب ، أرى أن أعرض بالذكر لبعض مقدمات هذه المسألة : لقد كان هدف الإنجليز واليهود منذ البداية العمل على تحويل فلسطين العربية إلى دولة يهودية ، ولم يكن تصريح بلفور وعبارة "الوطن القومي اليهودي" إلا تمهيداً لهذه الغاية، وتمويهاً على الرأي العام العربي والإسلامي، حتى يتم للسياسة البريطانية تحقيق الوسائل المقررة وفق الخطة المرسومة . وكان في مقدمة هذه الوسائل فتح أبواب فلسطين على مصاريعها لهجرة يهودية واسعة النطاق ، إلى أن يكاثر اليهود العرب، ومن ثم يأخذون بالضغط عليهم لإخراجهم من البلاد . كما ظهر من أقوال القاضي "برانديز" الزعيم اليهودي الأمريكي الذي كان مستشاراً للرئيس ولسون في الشؤون اليهودية . فقد أعلن هذا في عام 1916م "أن القصد من طلب اليهود تسهيل الهجرة إلى فلسطين أن يصبح اليهود أكثرية السكان فيها، وأن يرحل العرب عنها إلى الصحراء" . وكذلك كتب الكاتب اليهودي "بن آفي" تعليقاً على الشهادات التي قدمت أمام لجنة التحقيق المؤلفة في عام 1931م برئاسة السر توماس هيكرافت : "إن على اليهود أن يطهروا وطنهم (فلسطين) من الغاصبين، وأن أمام المسلمين الصحراء والحجاز، وأمام المسيحيين لبنان ، فليرحلوا إلى تلك الأقطار .
وفي أكتوبر 1930م نشرت صحيفة المانشستر غارديان البريطانية المعروفة بصبغتها الصهيونية، بياناً وقعه عدد من أقطاب الإنجليز ورجال الكومنولث البريطاني ومن بينهم لويد جورج ، وستانلي بولدوين، وأوستن تشامبرلن ، وليوبولد ايمري، وونستون تشرشل وهيو دالتون، وهارولد لاسكي، والمرشال سمطس، وآرثر غرينوود، واللورد سنل وغيرهم وقالوا فيه أنه كان واضحاً ومفهوماً لدى الحكومة البريطانية عند إصدارها لتصريح بلفور عام 1917م أن يصبح اليهود أكثرية ساحقة في فلسطين .... " .
ولما وقعت الحرب العالمية الثانية سنحت الفرصة لليهود لتقوية أنفسهم وتعزيز أسلحتهم ولمضاعفة قواتهم العسكرية وإنشاء جيش يهودي بمساعدة السلطات البريطانية التي عينت واستخدمت خلال تلك الحرب عدداً كبيراً من اليهود في ورش الجيش البريطاني وثكناته ومستودعاته وفي الوظائف الرئيسية والفنية ، وجندت ألوفاً من شبان اليهود في سلك الجيش فدربتهم وسلحتهم وأشركتهم في العمليات الحربية، واعتمدت بعض المصانع اليهودية لإنتاج الذخائر والمتفجرات وما إلى ذلك من اللوازم العسكرية . وبلغ عدد الذين دربهم الإنجليز وجندوهم في الجيش البريطاني حسب ما ورد في التقويم السنوي اليهودي (هاشانا) (لعام 43-1944) 33 ألفاً وهذا الرقم لا يشمل عدد المجندين منهم في البوليس والدفاع السلبي والهاجانا وغيرها .
واستطاع اليهود بمساعدة الإنجليز نقل كميات هائلة من السلاح إلى فلسطين وزعوها على مستعمراتهم ومنظماتهم العسكرية .
تشرشل يؤلف الفيلق اليهودي :
وفي عام 1943 طالب اليهود الحكومة البريطانية بتأليف "فيلق يهودي" وإلحاقه كوحدة مستقلة بالجيش البريطاني، وساعدهم تشرشل مساعدة فعالة على تحقيق هذا الطلب، ولما اعترض المرشال ويفل – قائد القوات البريطانية في مصر والشرق الأوسط – على هذا الطلب خوفاً من إثارة العرب ، تحداه تشرشل وسمح بتأليف الفيلق وجعلته القيادة البريطانية قسماً من الجيش البريطاني في حملته على إيطاليا عام 1944م ، وبعد انتهاء الحرب عاد أفراد ذلك الفيلق إلى فلسطين ومع أكثرهم أسلحتهم الخفيفة .
وفي ذلك يقول تشرشل في مذكراته التي نشرها عن الحرب العالمية الثانية ما نصه : ولقد نصحني ويفل بعدم تشكيل ذلك الفيلق اليهودي خوفاً من إثارة شعور العرب . ولكني تحديت ويفل، وكتبت إلى الدكتور وايزمن بالسماح بتشكيل الفيلق ، ولم يتحرك كلب عربي واحد بالاحتجاج على ذلك .
وقد تم لليهود تنظيم قواتهم وتسليحها قبل أن تضع الحرب أوزارها، فأرادوا اغتنام الفرصة وأن لا تنتهي الحرب إلا وقد تحولت فلسطين إلى بلاد يهودية ، مدفوعين إلى ذلك بالاعتبارات الآتية :
1-خشيتهم من قيام حركة عربية واسعة النطاق بعد الحرب تضطر بريطانيا وأمريكا إلى عدم تشكيل الدولة اليهودية في فلسطين .
2-رغبتهم في قيام الدولة اليهودية قبل أن يزول أثر عطف العالم الغربي عليهم، وهو ما استطاعوا الحصول عليه بدعايتهم الواسعة ضد ألمانيا النازية واضطهادها لليهود.
3-خشيتهم من أن يقوم من البريطانيين من يعارض في تحويل فلسطين إلى دولة يهودية، لاعتبارات تتعلق بمصلحة الإمبراطورية .
ثم شرع اليهود بحملة إرهابية منظمة لاستعجال السلطات البريطانية بالتسليم لهم بفلسطين، وشكلوا عصابات إرهابية أشهرها (1) عصابة أرغون زفاي ليومي (2) عصابة شترن، فقامت بأعمال إرهابية عديدة واستمر الإرهاب اليهودي إلى ما بعد انتهاء الحرب، وتجاوز الإنجليز إلى العرب لإرهابهم وترويعهم وحملهم على ترك ممتلكاتهم والنزوح عن فلسطين، ومع أن الإنجليز لم يشكلوا الدولة اليهودية في فلسطين خلال الحرب، لاعتبارات سياسية وعسكرية، إلا أنهم سارعوا إلى تشكيلها بعد انتهائها متوسلين إلى ذلك بوسائل سياسية وغيرها ، إلى أن قدموا قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة التي قررت في 29 نوفمبر 1947 تقسيم فلسطين باتفاق بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية .
وتبع صدور قرار التقسيم قيام اضطرابات وتطورات خطيرة في فلسطين ، وحدثت المحاولات المعروفة لإبعاد عرب فلسطين عن تولي زمام قضيتهم من الوجهتين السياسية والعسكرية، وحرمان مجاهديهم من المال والسلاح، وقد وجد اليهود والإنجليز والأمريكيون أن ظروف عام 1948 مواتية لتنفيذ خطتهم المبيتة لإخراج عرب فلسطين منها، وتحويلها إلى دولة يهودية ، ولم تعد ثمة ضرورة لانتظار الوقت الذي يصبح فيه اليهود أكثرية في فلسطين ، وتوسلوا إلى ذلك بوسائل متعددة بنيت على ثلاث قواعد رئيسية هي : (1) الضغط السياسي (2) الدعاية والإرجاف، (3) الإرهاب .
الضغط السياسي :
عرضت سابقاً، بوجه عام ، الضغط الشديد الذي قام به المستعمرون على بعض المسئولين العرب لانتزاع زمام قضية فلسطين من أيدي أهلها، مما أدى إلى تبديل الخطة الأساسية الموضوعة من قبل مجلس جامعة الدول العربية في عاليه (أكتوبر 1947) للدفاع عن فلسطين، وما تلا ذلك من عدم تقديم المساعدات الضرورية لعرب فلسطين، مما أدى إلى إضعافهم، وعرقلة جهودهم ، ومنع مجاهديهم من الاستمرار في جهادهم العظيم الذي كاد يقضي على قرار التقسيم في مارس 1948 .
الدعاية والإرجاف :
ضاعف المستعمرون واليهود دعايتهم المضللة ضد الفلسطينيين ورجال الحركة الوطنية في داخل فلسطين وخارجها، ولا سيما في الأقطار العربية، فقد أنشأ قلم المخابرات البريطانية – بالتعاون مع اليهود – عدة مراكز دعاية ضد الفلسطينيين لتشويه سمعتهم وتشكيك الشعوب العربية في إخلاصهم وجهادهم فتكف عن مد يد المساعدة إليهم ، ولإقناع العرب بأن إنقاذ فلسطين لن يتم إلا عن طريق إدخال الجيوش النظامية إليها . ومما هو جدير بالذكر أن الإنجليز أنشأوا ، من جملة ما أنشأوه من مراكز الاستخبارات والدعاية في الأقطار العربية، مركزاً للدعاية في القاهرة في شارع قصر النيل، ووضعوا على رأسه رجلاً بريطانياً انتحل الإسلام واتخذ له أسماً إسلامياً، وملأوه بالموظفين والعملاء والجواسيس الذين بثوهم في مختلف المدن والأوساط المصرية . وكان من مهام هذا المركز بث الدعاية المعروفة بدعاية الهمس Whispring بالإضافة إلى نواحي الدعاية الأخرى .
أما في داخل فلسطين فقد بذلوا جهوداً واسعة لتثبيط الهمم وإضعاف النفوس وإدخال روح الوهن والهزيمة بين المجاهدين، والكيد للرجال العاملين، ومحاولة إقناع الفلسطينيين بقلة جدوى المقاومة وضرورة الإقلاع عن سياسة التطرف، والدعوة إلى التعاون مع الإنجليز، وقد ركزوا الدعاية وتشويه السمعة على صفوة الوطنيين والمجاهدين الذين عرفوا بصلابتهم وشدة إخلاصهم ولا سيما على الهيئة العربية العليا ورئيسها حيث اختلقوا أنواع الأكاذيب والمفتريات والأراجيف .
لما شرع أهل المدن الكبرى – كالقدس ويافا وحيفا وعكا – بالعمل على تحصين مدنهم وتسليح أنفسهم، تدخل الإنجليز للحيلولة دون ذلك بإقناع الأهلين بأن بريطانيا لن تسمح لليهود باحتلال المدن الكبرى، ولا سيما المدن والقرى العربية التي خصصت للعرب بموجب قرار التقسيم .
وإني لأذكر بهذه المناسبة أني ألححت بمطالبة المختصين بجامعة الدول العربية في ديسمبر 1947 بضرورة تحصين المدن الرئيسية، وتسليح المجاهدين للدفاع عنها تسليحاً وافياً . فأجابني أحد المسئولين بقوله : لا ضرورة لتسليح يافا البتة ، لأن قرار التقسيم جعل يافا في المنطقة العربية، فلا خوف عليها مطلقاً من اعتداء اليهود . أما حيفا فإن الإنجليز لن يسمحوا لليهود باحتلالها أبداً . لأنهم يريدون أن يجعلوا منها مرفأ حراً، وإن لدينا من التأكيدات ما يجعلنا نطمئن إلى ذلك !!
الإرهاب اليهودي :
وارتبطت أعمال الدعاية والإرجاف ارتباطا وثيقاً بأعمال الإرهاب اليهودي الأثيم الذي قام به اليهود لترويع العرب المدنيين وذلك بنسف المنازل وإلقاء المتفجرات في الأسواق ومراكز تجمع الأهلين، مما أودى بحياة الكثيرين من الشيوخ والنساء والأطفال وأخذ دعاة الأعداء يزينون للأهلين الهجرة إلى الأقطار العربية محافظة على سلامة أرواحهم وأطفالهم، وفي الوقت نفسه أخذت تظهر دعوة من بعض البلاد العربية تنادي بضرورة نقل الأطفال والنساء والشيوخ العاجزين من فلسطين ريثما يبت في مصيرها. كما ظهرت دعاية أخرى بأن الجيوش العربية ستدخل فلسطين قريباً لتحريرها فلا داعي للقتال وتحمل الخسائر في الأموال والأرواح .
تحيز الإنجليز لليهود :
فلما نشب القتال بين العرب واليهود في أواخر عام 1947 أثر صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، كان موقف حكومة الانتداب البريطاني موقف المتحيز إلى اليهود، التآمر معهم شأنها طول عهد انتدابها مدة ثلاثين عاماً ، فكانت تتدخل – في كل معركة يفوز بها العرب – لحماية اليهود والحيلولة دون استيلاء العرب على ممتلكاتهم ومستعمراتهم ، بحجة أنها لا تزال صاحبة السلطة في فلسطين والمسئولة عن حماية أرواح السكان وممتلكاتهم . غير أنها لا تتذرع بهذه الحجة عندما تكون أرواح العرب وممتلكاتهم عرضة للهلاك والدمار. والأمثلة على هذا كثيرة لا مجال لتعدادها الآن . غير أن من الحوادث ماله صلة وثقي بكارثة فلسطين ، وأدى إلى هجرة عدد كبير من العرب .
الإنجليز يمهدون السبل لخروج العرب :
أضرب لذلك مثلاً حادث هجرة أهل طبرية . فقد تم طبقاً لخطة مرسومة لتسليم هذه المدينة لليهود ، فإن طبرية تقطنها أكثرية من اليهود وأقلية من العرب. وقد كانت القوات البريطانية خلال المعارك الناشبة بين العرب واليهود تغض طرفها عما يقترفه اليهودي في الأحياء العربية العزلى من السلاح ، وتسهل سبيل وصول المدد والنجدات إلى اليهود ، وتحول دون وصول المدد والنجدات إلى العرب، مما هيأ لها أن تتدخل وتصر على إجلاء العرب عن المدينة تاركين وراءهم جميع ما يملكون ، بحجة أنهم أقلية يخشى عليها من الأكثرية اليهودية!
والمؤامرة في هذا الحادث مفضوحة ، والتحيز ظاهر. فقد كان في وسع القوات البريطانية أن لا تحول دون وصول النجدات إلى العرب كما لم تحل دون وصول النجدات إلى اليهود ، أو على الأقل أن تحافظ عليهم وعلى ممتلكاتهم كما حافظت على اليهود في مدينة القدس القديمة وغيرها. فقد كان هؤلاء في وضع أضعف بكثير من وضع العرب في طبرية ، وظلت القوات البريطانية باسطة حمايتها عليهم، توصل إليهم الطعام والماء والسلاح والنجدات إلى أن انسحبت من فلسطين .
ومثل ذلك حدث في المذابح التي اقترفها اليهود في القرى العربية الضعيفة بين سمع القوات البريطانية وبصرها . كمذابح قرى "دير ياسين" و"ناصر الدين" و"حواسه" و"عليوط" و"سكرير" و" الدوايمة" وغيرها .
ومن الجدير بالذكر أن معظم الفظائع الوحشية في هذه القرى ارتكبتها عصابتا أرغون زفاي ليومي وشترن، وأكثر أفرادهما من اليهود المتدينين ورجال الدين الربانيين والحاخامين، المعروفين بفرط تعصبهم وشدة أحقادهم ، فكانوا يقتلون الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة . ويبقرون بطون الحوامل ويخرجون الأجنة منها برؤوس حرابهم ، زاعمين أن هذا أمر إله إسرائيل الذي أمر شعب إسرائيل حين فتح أريحا "أن يقتل بحد السيف كل ما في المدينة من رجل وامرأة ، من طفل وشيخ ، حتى البقر والغنم والحمير، وأن يحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها ، كما جاء في الإصحاحين السادس والسابع من سفر يشوع .
المؤامرة الإنجليزية على تسليم حيفا لليهود :
أما حيفا فقد كانت كارثتها من أبرز مظاهر تحيز الإنجليز لليهود وتآمرهم معهم ، فقد أعلنت سلطة الانتداب البريطاني أن لبريطانيا مصالح حيوية في حيفا، وأنها لن تتخلى إلا بعد شهر أغسطس 1948 أي بعد انتهاء الانتداب بثلاثة أشهر ونصف شهر ، وعلى هذا منعت العرب من إقامة المراكز المحصنة داخل المدينة ، وحظرت عليهم الوصول إلى أماكن معينة، في الحين الذي كان اليهود فيه يتحصنون ويتركزون ويجوبون كافة المواقع دون حظر، حتى إذا أتموا تسلحهم واستكملوا استعدادهم أعلنت سلطة الانتداب فجأة عدولها عن التمسك بحيفا واضطرارها لإخلائها ! وحينئذ ظهر أن اليهود قد تسلموا ما كان بيد الإنجليز من المعسكرات ذات الشأن، والأماكن المحصنة، والمواقع المشرفة على أحياء حيفا كلها، مما سبب كارثة استيلاء قوات اليهود المسلحة عليها، واضطرار أهلها العرب للجلاء عنها بعد وقائع دامية، وبعد ما منع الإنجليز وصول النجدات إليهم، تاركين وراءهم كل ما يملكون أيضاً . وعندئذ فقط ظهرت رقة شعور القوات البريطانية، ففتحت أبواب ميناء حيفا وجمعت ما فيها من السفن وجعلت تدعو العرب إلى الرحيل وتحملهم عليها.. وكذلك أخذ الفيلق العربي – أي جيش الجنرال جلوب – ينقل العرب في سياراته كما فعل في طيرة حيفا وجبع وغيرها ، وكما نقل قبل ذلك أهالي طبرية وبيسان بسياراته إلى شرق الأردن . فعل كل ذلك تسهيلاً لهجرة العرب وتمكيناً لاحتلال اليهود .
واشتركت دائرة المخابرات البريطانية واليهودية في هذه المهمة بنصيب وافر وأخذت على عاتقها إشاعة الحوادث المثيرة والأخبار المضللة، ونشر الذعر بين الأهالي الآمنين من العرب، وخاصة على أثر المذابح التي اقترفها اليهود .
وكان المخابرات البريطانية وأعوانها من موظفي حكومة الانتداب أكبر الأثر فيما حدث في مدينة (يافا) من هذا القبيل أيضاً مما أدى إلى خروج أهلها العزل، والتجائهم إلى أماكن أخرى من فلسطين أو إلى الأقطار العربية المجاورة .
أما في القدس الجديدة فقد منعت القوات البريطانية المجاهدين الفلسطينيين من المرور عبر مناطق السلامة التي كان جنودهم يحتلونها ثم لم يلبثوا أن سلموا تلك المناطق – مع معسكر العلمين الكبير الواقع جنوب القدس – إلى قوات الهاجانا اليهودية في 13و14 مايو 1948م وبذلك أصبح اليهود يسيطرون على القدس الجديدة ، ويتحكمون في القدس القديمة أيضاً .
كارثة اللد والرملة :
وأما كارثة اللد والرملة فقد نشأت من أن الجنرال جلوب سحب فجأة قوات الجيش الأردني التي كانت مرابطة فيهما، بعد ما جرد قوات الجهاد المقدس التي كانت مرابطة في مطار اللد ومحطة السكة الحديد وغيرهما، من سلاحها ، بحجة الهدنة الأولى، واعداً بإرجاعها بمجرد انتهاء الهدنة . ولكنه أخلف وعده عندما استأنف القتال في 9 يوليو 1948، فسقطت اللد والرملة وعشرات القرى المحيطة بهما في أيدي اليهود واضطر نحو مائة ألف من أهلها للنزوح، يضاف إليهم من لجأ إلى المدينتين المذكورتين من أهل مدينة يافا وقراها، وهم لا يقلون عن خمسين ألف نسمة أيضاً، وقد روي لي أحد رجال الدين المسيحي المحترمين أنه سمع من سيادة المونسنيور وكيل بطريرك اللاتين في فلسطين أن جلوب بعث ببرقية تهنئة لقائد الجيش اليهودي على احتلاله اللد والرملة ، ولما صادفه المونسنيور المذكور وعاتبه على برقيته، أجابه جلوب بقوله : هذه هي السياسة .
ونحن حين نعرض لذكر الجنرال جلوب باشا الإنجليزي لا نرمي إلى تجريحه شخصياً فهو يعمل لصالح أمته ويقدم لها الخدمات الجلي، ولكن اللوم يقع على بعض العرب الذين ولوه القيادة العامة الفعلية أثناء حرب فلسطين . وبعد الهدنة الثانية توالت اعتداءات اليهود على المناطق العربية ، وانسحبت قوات الدول العربية من مناطق الجليل الغربي وجنين وبعض مناطق القدس وبيت لحم والخليل والنقب والمجدل، فجلا أهلها منها تبعاً لذلك بالضرورة، ثم وقعت اتفاقية رودس، وأعقبها تسليم جيش الجنرال جلوب لليهود أراضي المثلث العربي ومساحات واسعة من مناطق القدس وبيت لحم والخليل والبحر الميت كما ذكرناه آنفاً ، فنزح عنها أهلها بعد ما عاث فيها المجرمون اليهود قتلاً وتدميراً ونهباً وسلباً .
وهكذا لم يحل ربيع عام 1949 حتى أصبح ما يقرب من مليون عربي فلسطيني مشردين من بلادهم ولاجئين إلى الأقطار العربية .
الهيئة العربية عارضت في خروج العرب من فلسطين :
أما فيما يتعلق بالجواب على الشق الأخير من سؤالكم، فقد كان رأيي الذي أعلنته مراراً ، وأبلغت الجهات العربية ذات الشأن، أن يبقى عرب فلسطين في بلادهم، وأن يدافعوا عنها حتى النفس الأخير، وأن لا يجلوا لأي سبب من الأسباب .
وأذكر مثلاً على ذلك أن سيادة المطران جورج حكيم مطران الروم الكاثوليك في حيفا وعكا وسائر الجليل رغب في نقل الأطفال من حيفا إلي لبنان عند اشتداد المعارك إشفاقاً عليهم، فلما بلغ الهيئة العربية العليا ذلك عارضت في نقلهم إلى لبنان، وأبلغته أنه إن كان ولا بد من النقل فليكن إلى المدن الداخلية في فلسطين .
هذا وقد تنبهت الهيئة العربية العليا إلى ما يقصده الإنجليز من موقفهم، واليهود من عدوانهم، فأذاعت في شهر فبراير 1948بياناً على الشعب الفلسطيني دعته فيه إلى البقاء في بلاده، وأن لا يجلو عنها بأي حال من الأحوال، وفي الوقت نفسه طلبت الهيئة العربية من اللجان القومية – وهي الهيئات الوطنية الممثلة للشعب الفلسطيني في كافة المدن والمراكز الكبرى من فلسطين – ومن قيادة الجهاد الوطني المقدس، وقواد المناطق، العمل على منع الأهلين من مغادرة البلاد، وفوضتهم في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بذلك ، وطاف أعضاء من الهيئة العربية بمختلف المناطق الفلسطينية ينبهون الناس ويحذرونهم من الخروج وترك البلاد .
وفي اليوم الثامن من شهر مارس عام 1948 قدمت الهيئة العربية العليا مذكرات إلى الحكومات العربية التمست فيها أن لا تعطي تأشيرات سفر لأي فلسطيني إلا في حالة الضرورة القصوى كأن يكون الراغب في السفر مريضاً يخرج للاستشفاء أو تلميذاً يسافر للدراسة ، بعد التثبت من ذلك بواسطة اللجان القومية .
وقد حمل مندوبون من الهيئة العربية العليا تلك المذكرات إلى العواصم العربية وسلموها إلى المسئولين من رجالها ، شارحين لهم الأسباب الموجبة لذلك . ومن دواعي الأسف أنه لم يؤخذ برأي الهيئة العربية في هذا الأمر .

هناك 8 تعليقات:

احمد سعيد يقول...

امين الحسينى,وعز الدين القسام
وغيرهم كتير كان ممكن يغيروا مستقبل الامه ويقضوا على هذا الكيان الشيطانى
لولا...
واة من كلمه لولا
لولا الخذلان والتخاذل العربى والدسائس والمؤامرات البريطانيه.
بس عايز اقولك حاجه
موضوع ما قبل النكبه دة مش هو اول الموضوع
الموضوع بدا من قبل كدة بكتير
انت كدا بتعرض الفيلم من نصه
اقترح عليك انك تعرض الاول ازاى اليهود تغلغلوا فى اوساط النفوذ فى المجتمع البريطانى فى القرن التاسع عشر بعد ماكانوا منبوذين
لان دة هيوضح اللعبه اللى اليهود بيلعبوها على مر العصور
واللى دايما بتتكرر بنفس التفاصيل
ومع الاسف الشعوب مش بتتعلم
اعتقد الموضوع دة هيحط النقط على الحروف قبل مانطلع سوا عالروف,قصدى قبل مانخش فى تفاصيل نكبه 48 وما قبلها
وهتحل كمان علامات استفهام كتير عن السلوك الغريب للسياسيين الانجليز اياميها...
ويا سلام بقى على مختصر كدة لتاريخ اليهود من اول التيه لحد الان مع باقه منتقاة من فضايحهم ودسائسهم اللى نال كل دول العالم عبر التاريخ نصيب منها..

مهندس مصري يقول...

هو الحاج أمين الحسيني بيتكلم عن الموضوع من بداية الإحتلال الإنجليزي لفلسطين سنة 1917 و حتى نهاية حرب 1948

بس إيه الصورة العجيبة بتاعتك دي
:)
ههههههههههه

معاك حق الفيلم طويل

بس اللي حيتابع مؤامرات اليهود يبقى حيحكي تاريخهم كله
و لا ايه ؟
بس ياريت بس الناس تفهم الجزء اللي تم على ارضنا و يفتحوا عينيهم

احمد سعيد يقول...

ماهو الجزء اللى تم على ارضنا دة
مجرد حلقه من السلسله
ولا يمكن دراسه الجزء الا من خلال الكل كمنظومه متكامله
انا معاك ونفسى بصراحه اقول الكلام دة وعندى مراجع ممكن توضح الموضوع بشكل مبسط , بس بصراحه الكلام هيبقى كتير قوى على انه يتنشر

احمد سعيد يقول...

ايوة هى دى صورتى ماهو اللى بيحصل دة يخلى الواحد يحول ويرتد لمرحله الطفوله ,مش كدة برضه؟

اللؤلؤة يقول...

السلام عليكم
أخى الكريم :
أشكرك على هذا الموضوع القيم
وأذكرك أخى بأن الصدامات التى حدثت بين اليهود والفلسطينون قبل النكبة أفرزت قيادات قوية امثال الحاج أمين الحسينى وعز الدين القسام والحاج عبد القادر الحسينى وغيرهم الكثير
تحياتى
ويسعدنى التواصل معك

وبالتوفبق دائما

مهندس مصري يقول...

أحمد سعيد
========
اديك قلتها الكلام كتير قوي
فأنا عن نفسي مقتنع بنشر الكتاب ده على 13 حلقة
و كده يبقى حلو قوي و كفاية عليا
اللي عايز ينشر حاجة تانية يبقى ربنا معاه و يوفقه
و عموماً المواقع اللي بتتكلم عن تاريخ فلسطين و تاريخ مؤامرات اليهود كتيرة على النت
و اللي يدور كويس يلاقي
أنا بس علشان عاجبني الكتاب ده حبيت أعيد نشره رغم إن هو موجود على النت فعلاً في موقع فلسطيني
:)

اللؤلؤة
=======
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
العفو
بس الموضوع ده مش لوحده ده حلقة من سلسلة حلقات
و يسعدني انا برضه
:)

أسوور يقول...

معلومات قيمة جدا
افدتنى كثيرا

مهندس مصري يقول...

أسوور
======
شكراً يا فندم
ياريت حضرتك تتابعي باقي الحلقات و منتظر تقييمك النهائي بعدها
:)