الجمعة، فبراير 13، 2009

حقائق عن قضية فلسطين 5 للحاج أمين الحسيني مفتي القدس

خلافي مع الملك عبد الله لم يكن خلافاً شخصيا

بل كان خلافاً سياسياً يتناول المبادئ والوسائل

السؤال الخامس :

يقول بعض الناس إن خلافاً شخصياً كان قائماً بين الملك عبد الله وبينكم، وأن هذا الخلاف أساء إلى قضية فلسطين . فما تقولون في ذلك ؟

الجواب :

ما كنت أحب أن أتحدث عن الخلاف السياسي مع المغفور له الملك عبد الله ، لولا أن بعض الصحف ومصادر الدعاية الأجنبية حاولت استغلال هذا الخلاف لصالح الاستعمار، وبالغت فيه، كما أن بعض الناس فهموه على غير حقيقته وذهبوا فيه مذاهب شتى، وزعم بعضهم أنه كان خلافاً شخصياً أضر بقضية فلسطين .

والواقع أن الخلاف مع المغفور له الملك عبد الله لم يكن شخصياً قط طول أيام معرفتي به التي يرجع عهدها إلى عام 1921 عندما جاء إلى شرق الأردن، فهي معرفة وثيقة مدة ثلاثين عاماً تقريباً بل بالعكس كانت علاقتي الشخصية به علاقة صداقة ومودة لما عرف عنه رحمه الله من حسن المودة وأدب المعاشرة وطيب الحديث، وكنت ألقى منه – عند كل اجتماع – من حسن المقابلة ولطف المعاملة ما يعرفه كثير من الناس، كما كنت لا أدخر وسعاً في استبقاء الصلة الحسنة به وفقاً لخطتي مع جميع الذين لهم علاقة بالقضايا العربية، وذلك حرصاً مني على صالح القضايا العربية عامة وصالح فلسطين خاصة ، لخطورة قضيتها وشدة الحاجة في دفع العادية عنها إلى تضافر العرب جميعاً على تعدد دولهم وأقطارهم .

ولكن الخلاف الذي وقع كان سياسياً يتناول المبادئ والوسائل التي ينبغي أن تعالج بها قضية فلسطين خاصة ، والقضايا العربية الأخرى .

فعندما وصل المرحوم الملك عبد الله من الحجاز إلى شرق الأردن عام 1921، بقصد تحرير سورية من الفرنسيين الذين احتلوها حينئذ وأخرجوا منها شقيقه المرحوم الملك فيصل، التف حوله صفوة من أحرار العرب ومجاهديهم من سورية ولبنان والعراق وفلسطين ، للتعاون معه على إنقاذ سورية خاصة ، والعمل لصالح البلاد العربية عامة . ولكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، وتغلبت السياسة الاستعمارية على الجهود العربية التي بذلت حينئذ ، وخاب الرجاء بإنقاذ سورية . ولم يسفر الاجتماع الذي عقد في 28 مارس عام 1921م على جبل الزيتون بالقدس بين سمو الأمير عبد الله من ناحية ، والمستر تشرشل وزير المستعمرات البريطانية حينئذ ، والسر هربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني اليهودي ومستر لورنس من ناحية أخرى عن نتيجة لصالح العرب، بل أصبحت منطقة شرق الأردن مشمولة بالانتداب البريطاني، وأصبح المندوب السامي لبريطانيا في فلسطين مندوباً سامياً لها في شرق الأردن أيضاً .

ولم يلبث الاستعمار البريطاني أن ضيق الخناق على منطقة شرق الأردن وكبلها بالقيود، كما هو ديدنه في كل بلادنا التي ناء عليها بكلكله، فأخذ من كان فيها من أحرار العرب يهجرونها واحداً إثر واحد . ثم تمكن الإنجليز من فرض معاهدة استعمارية على إمارة شرق الأردن استولوا بموجبها على مرافق البلاد، وسيطر على الجيش الأردني الضابط البريطاني (بيك) باشا ثم الجنرال جلوب باشا .

ولما صدر تقرير لجنة اللورد بيل في 7 يوليو سنة 1937 بتقسيم فلسطين، اتخذ المغفور له الملك عبد الله موقفاً مؤيداً للتقسيم على أمل أن يتمكن من ضم القسم الباقي للعرب من فلسطين، إلى شرق الأردن، وكان طبيعياً أن لا يقر عرب فلسطين تقسيم بلادهم وتقطيع أوصالها كما أسلفت في حديثي السابق . وأخيراً عندما وقعت حرب فلسطين على إثر صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيمها ثم تدخلت الدول العربية وقررت أن تدخل جيوشها فلسطين، أصر المغفور له الملك عبد الله على أن تكون له قيادة الجيوش العربية ، فعارضت أكثرية الدول العربية في هذا، ثم عاد بعضها فوافق تحت تأثير الضغط البريطاني الشديد ، وتسلم الجنرال جلوب القيادة الفعلية للجيوش العربية ، ووقعت كارثة فلسطين على الشكل المعروف.

وكنت بطبيعة الحال معارضاً لهذه القيادة الغريبة الشاذة . لا مخالفة للمرحوم الملك عبد الله ، بل خوفاً من أن تسلم القيادة العسكرية الفعلية في حرب فلسطين إلى قائد إنجليزي، ليقيني أن الاستعمار الإنجليزي هو الخصم الألد الذي كن أساس البلاء في هذه القضية وفي معظم القضايا العربية .

فالخلاف الذي وقع بين المغفور له الملك عبد الله وبيني لم يكن – كما ذكرت – خلافاً شخصياً مطلقاً ، بل كان خلافاً على المبادئ والوسائل التي كان ينبغي التوسل بها لمعالجة قضية فلسطين والقضايا العربية الأخرى، ولم أكن المعارض الوحيد لهذه المبادئ والوسائل، بل عارضها أيضاً كثير من رجال الأمة العربية وذوي الرأي فيها من السوريين واللبنانيين والعراقيين والمصريين والسعوديين والفلسطينيين ومن الأردنيين كما هو معروف، ولا أرى حاجة للإسهاب والتفصيل في هذه الناحية ، ولكني أرى أن استشهد هنا بحادثين للتدليل على كذب المزاعم القائلة بأن الخلاف كان شخصياً وأنه عاد بالضرر على قضية فلسطين :

الحادثة الأولى :

قبيل صدور قرار لجنة اللورد بيل قابلني في القدس أحد رجال الاستعمار مقابلة خاصة سألني خلالها عما أتوقع أن يحتوي عليه تقرير لجنة بيل ، فأجبته بأني لا أستطيع التهكن به، وأنكم معشر الموظفين الكبار أدرى بذلك لما لكم من صلات رسمية تسهل لكم الاطلاع على مثل هذه الشؤون قبل كل أحد، ولكن الصحف تنشر أن هذا التقرير يستهدف التقسيم ، ثم ذكرت له ما سيلقاه التقسيم من معارضة الشعب العربي الفلسطيني ومعارضتي شخصياً .

فقال رجل الاستعمار – تهويناً لأمر التقسيم على وترغيبا لي فيه : وماذا في التقسيم من ضرر؟ إنه يرمي إلى تكوين دولة عربية من القسم العربي من فلسطين وشرق الأردن معاً . ولعلكم تحسبون أن الأمير عبد الله سيكون رأس هذه الدولة، فأحب أن أحيطكم علماً أن انتخابات حرة ستجري في البلاد، وأن الذي يفوز بالأكثرية هو الذي سيتولى رئاسة الدولة .

وزاد محدثي على هذا بقوله : ونحن نعرف من هو رجل الشعب الذي يستطيع الفوز بالأكثرية الساحقة . ونظر إلى متبسماً .

فأدركت ما يعنيه الرجل ، وأجبته فوراً :

- إذا كنتم تظنون أني أعارض التقسيم لئلا يصبح الأمير عبد الله ملكاً على فلسطين وشرق الأردن فأنتم واهمون، فالحقيقة أني إنما أعارض مبدأ التقسيم لضرره على البلاد وتهديمه لكيانها وتمزيقه لوحدتها ، ولا أعارض شخص الأمير أبداً .

وأؤكد لكم أنني مستعد أن أكون تابعاً لأي عربي يعمل بإخلاص لصالح الوطن ولو كان هذا العربي تابعاً من أتباع الأمير، فكيف أرفض رئاسة سيد عربي كالأمير نفسه الذي هو من أشرف بيت في العرب، فأنا إنما أعارض الفكرة ولا أعارض الشخص .

فدهش محدثي عندما سمع هذا الجواب الحاسم ، واعتذر عن حديثه معي بأنه إنما كان حديثاً خاصاً محضاً .

ولقد كنت أبلغت بحمل هذا الحديث في أول فرصة إلى المغفور له الملك عبد الله ، وأكدت له أن الخلاف لا يتعدى المبادئ ووجهات النظر .

الحادثة الثانية :

وقد حدثت هذه أثناء جلسة اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية في دار وزارة الخارجية السورية بدمشق في شهر مارس سنة 1948 وكنت عضواً فيها في ذلك الحين، فقد كان الحديث يتناول قضية فلسطين وموقف المغفور له الملك عبد الله ، وعندئذ قال مندوب إحدى الدول العربية مازحا :

- لو تفاهمتم مع الملك عبد الله ونزلتم على رغباته لحلت المشكلة فقلت له : إنك تقول هذا مازحاً يا صاحب الدولة ، ولكن الأمر جد ، والقول فصل وما هو بالهزل . وأني أرجو من اللجنة السياسية أن تسجل على في الجلسة التاريخية "إنني أعاهد الله وأعاهدكم ، أنا وكل من يسير معي من أهل فلسطين ، على أن نكون في ركاب الملك عبد الله ومن أخلص جنده وأتباعه عندما يسير قدماً على رأس جيشه لكفاح الأعداء كفاحاً صادقاً جديا، ويومئذ يعتز عرب فلسطين جميعاً بعرشه وتاجه ويكونون من أصدق رعاياه المخلصين" .

وطلبت تسجيل كلامي وإبلاغه إلى المغفور له الملك عبد الله . من هاتين الحادثتين يتضح لكم أنه لم يكن يباعد بين المغفور له الملك عبد الله وبيني خلاف شخصي، بل كان اختلافاً في وجهات النظر والمبادئ السياسية، وما عدا ذلك فقد كانت علاقتي الخاصة به علاقة مودة وصداقة . وأذكر أنني لما رجعت من أوربا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية – وكان ذلك في صيف عام 1946- تفضل جلالته بالترحيب بي ، فشكرته على ذلك وتبادلنا البرقيات والرسائل الخطية والشفوية وأحياناً التليفونية ، وإني أحتفظ بمجموعة من هذه الرسائل سيأتي ذكر قسم منها عندما يتاح لي نشر مذكراتي ، لما اشتمل عليه بعضها من الأهمية والطرافة وأكتفي الآن بالإشارة إلى إحداها، وهي رسالة خطية بعث بها إلى مع أحد أقاربي في أواخر عام 1948 اشتملت على كثير من عبارات المودة والعواطف الكريمة وكانت آخر رسائله إلى قبيل وفاته، وقد أعرب فيها عن رغبته في عودتي إلى البلاد، وعن استعداده لتلبية رغبتي في المركز الذي أبتغيه . وقد أجبته بالشكر الوافر على هذا العطف السابغ، وبالتأكيد له أنني غير راغب في أي منصب، وليس لي أي طلب خاص ، وكل ما أرجوه أن يعمل جلالته على تحصين المناطق الجبلية من فلسطين التي تسلمت إدارتها الحكومة الأردنية من جبل الخليل جنوباً إلى جنين شمالاً ، وأن يكون ذلك تحصيناً عسكرياً فيناً ، وأن يعمل أيضاً على تجنيد أهل البلاد للمرابطة فيها ، وعلى تدريبهم وتسليحهم للدفاع عنها عند الأعداء الطامعين، وحينئذ أعود إلى البلاد كفرد عادي لأشارك في هذا العمل المفيد .

ولا شك في أن الدعاية المضللة التي روجها المستعمرون ، والأراجيف التي كان يرجف بها اتباعهم وأبواقهم ، من أنني أقف حجر عثرة في سبيل تحقيق غاياته ومقاصده، قد انطبعت في نفسه إلى حد ما . ولم يكن في استطاعتي أن أزيل هذا الانطباع تماماً، لأنني بقيت بضع عشرة سنة بعيداً عن الوطن الحبيب لم تكتحل عيناي بإجتلاء ربوعه، ولم يتح لي لقاء الملك عبد الله منذ خروجي من فلسطين إلا عند زيارته الأخيرة لمصر ونزوله ضيفاً على الحكومة المصرية في قصر الزعفران عام 1948.

هذا وقد كنت أرغب حقاً في تلبية دعوته الكريمة التي وجهها إلى الذهاب إلى عمان في مارس سنة 1948 لولا خشيتي من غدر رجال الاستعمار الذين كانوا يحرسون خلال الديار، والذين لا تؤمن مغبتهم ولا يحمد عند الصباح سراهم ، وكنت موقناً أنهم يتربصون بي الدوائر .

ولم تكن خطتي في وقت من الأوقات أن أناوئ أية شخصية أو حكومة عربية ، بل كانت ولا تزال الخطة التي أعتنقها هي بذل أقصى الجهود والتضحية بأعز ما أملك في سبيل جمع شمل الأمة العربية وتوحيد كلمتها ، وقد نصحت بعض الفلسطينيين الذين صادفتهم في زيارتي الأخيرة لدمشق في أكتوبر الماضي 1953 بأن يقاوموا فكرة الشقاق بين الفلسطينيين والأردنيين، والضفة الغربية والضفة الشرقية . وقلت لهم : إن التفرقة بين الأقطار العربية ليست إلا من عمل الاستعمار الذي هو عدو للجميع ، فأحذروا كيده ، ولا تخاصموا أحداً من العرب ولا دولة من الدول العربية . فإن كابوس الاستعمار يجثم فوق صدور الأردنيين، كما يجثم فوق صدور الفلسطينيين ، وكلكم في البلاء سواء ، فعليكم أن تتقوا الخلاف بينكم ، وأن توحدوا جهودكم ضد الاستعمار وحده .

هناك تعليقان (2):

محمد الجرايحى يقول...

وكنت بطبيعة الحال معارضاً لهذه القيادة الغريبة الشاذة . لا مخالفة للمرحوم الملك عبد الله ، بل خوفاً من أن تسلم القيادة العسكرية الفعلية في حرب فلسطين إلى قائد إنجليزي، ليقيني أن الاستعمار الإنجليزي هو الخصم الألد الذي كن أساس البلاء في هذه القضية وفي معظم القضايا العربية .
ــــــــــــــ
فعلاً حالة شاذة من الوضح أن قادة العرب كانوا فى ذلك الوقت يعيشون فى طفولة سياسية..
أما الآن فالحمدلله وصلوا لمرحلة المراهقة السياسية.

مهندس مصري يقول...

محمد الجرايحي
===========
و على كده تعتقدوا حيوصلوا لسن الرشد و النضج السياسي امتى ؟