السبت، فبراير 14، 2009

حقائق عن قضية فلسطين 6 للحاج أمين الحسيني مفتي القدس

الضغط البريطاني على الدول العربية

كيف حالت السلطات الاستعمارية دون دخولي فلسطين

السؤال السادس :

أ- يتساءل بعض الناس : لماذا لم تعودوا إلى فلسطين ولا سيما أثناء المعركة ؟

ب- لماذا لم تكن الهيئة العربية العليا في فلسطين أثناء معركتها ، ولماذا لا تقيم الآن فيها ؟

الجواب :

هذه فرية يفتريها على الأعداء، وهي أني ضننت بنفسي عن الذهاب إلى فلسطين طول هذه السنين، ولبثت في مصر قرير العين ناعم البال. ولو كنت ممن يضنون على وطنهم بأنفسهم وبما يملكون لما سلكت هذا الطريق الوعر منذ البداية . والحق أن أعز أمنية لدي هي العودة إلى تلك البلاد العزيزة التي ارتبط بها قلبي ، وأوليتها حبي، ووقفت لها حياتي، وقضيت زهرة عمري في سبيل خيرها وسعادتها .

وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي

الوصول من فرنسا إلى مصر واحتجاج الإنجليز :

وقد قمت بمجازفة خطيرة حين غادرت فرنسا بتاريخ 29 مايو 1946 رغم الحراسة الشديدة ، وتوسلت بكل الوسائل للوصول إلى مصر تمهيداً لدخولي فلسطين والاشتراك في معركتها المقبلة التي كنت أتوقعها .

احتجاج البريطانيين :

فلما هبطت مصر وقامت السلطات البريطانية تطالب بالقبض عليّ، لم تسمح مصر الكريمة بذلك، فلما يئس الإنجليز من تسليمي وتحديد إقامتي في إحدى الجزر النائية كما كانوا يريدون ، شددوا على الحكومة المصرية بمنعي من القيام بأي نشاط سياسي، ومنعي من مغادرة مصر إلى أي مكان آخر. واضطر رئيس الوزارة حينئذ المرحوم إسماعيل صدقي إلى أن يتعهد رسمياً بذلك.

المحاولات المتعددة للسفر إلى فلسطين :

وفي خريف عام 1947 حاولت السفر إلى فلسطين، فطلب مني الأمين العام لجامعة الدول العربية حينئذ – باسم الصالح العام وصالح قضية فلسطين – أن أثريت ، وقال : إن ذهابك إلى فلسطين في الظروف الحاضرة سيكون سبباً في تحول المعركة المتوقع نشوبها بين العرب واليهود، إلى معركة بين العرب وبين الإنجليز واليهود معاً ولكن حينما ينتهي انتداب إنجلترا على فلسطين في 15 مايو عام 1948 لا يحول أحد دون سفرك .

ولكني لم أقنع بهذا القول وصمت على المضي في خطتي ، وبينما كنت أتهيأ للسفر زارني الأستاذ محمد كامل عبد الرحيم وكيل وزارة الخارجية المصرية حينئذ ، وأبلغني أن الوزير المفوض في السفارة البريطانية بالقاهرة قام بزيارة لوزارة الخارجية المصرية حاملاً إليها رسالة من السفير البريطاني بالاحتجاج الشديد على إزماعي السفر إلى فلسطين، وأن السفير طلب من الحكومة المصرية أن تحول دون ذلك . فاضطررت للبقاء على مضض لكيلا أسبب حرجاً للحكومة المصرية التي كانت في ذلك الحين تقوم بمفاوضاتها مع الحكومة البريطانية بشأن القضية المصرية ، معللاً النفس بقرب حلول فرصة ملائمة .

كان هذا قبل نشوب معركة فلسطين . ثم شرعت وبعض أعضاء الهيئة العربية العليا الذين كانوا يعملون معي خارج فلسطين، في إعداد العدة للسفر فور انتهاء الانتداب البريطاني الذي أوشك أن يحل موعده المقرر، وسافرنا إلى دمشق وتخيرنا المكان الذي عولنا على الإقامة به في فلسطين ، كما أعددنا ما كانت تقضي به الضرورة من الوسائل واللوازم .

بريطانيا تضغط على الدول العربية :

وفي 14 مايو 1948 بينما كنا على وشك السفر ، فوجئنا بضغط شديد من إنجلترا على بعض الدول العربية ، وعلى الجامعة ، لمنعي من السفر ، فطلب مني عدد من رؤساء وزارات الدول العربية ووزراء خارجياتها ورجال الجامعة أن لا أسافر في هذه الفترة إلى فلسطين قائلين : "إن ذهابك الآن والجيوش العربية على وشك خوض المعركة سيحبط خطة إنقاذ فلسطين ، ويفرق كلمة الدول العربية ، وستتحمل مسئولية فشل هذه المعركة المباركة التي ستحرر فلسطين وتنهي قضيتها بالفوز المبين ، ولما رأوا مني الإصرار على السفر طلبوا من رئيس الجمهورية السورية حينئذ ، أن يكلمني في الموضوع، فكلمني وطلب مني باسم مصلحة فلسطين أن أؤجل السفر .

فلما رأيت أن لا سبيل للسفر إلى فلسطين من سورية ، عدت إلى القاهرة في 22 مايو مزمعاً السفر فوراً . فلما وصلت إليها كلمني المغفور له السيد أحمد محمد خشبة – وكان يومئذ وزيراً للخارجية – وضرب لي موعداً عاجلاً لمقابلته في سراي الزعفران التي كان يقوم فيها مفاوضاته مع السفير البريطاني السر رونالد كامبل بشأن السودان، وأعلمني أن رسولاً خاصاً وصل إلى القاهرة من قبل جلالة الملك عبد الله – هو وزير الدفاع الأردني – حاملاً رسالة إلى الملك (السابق) طالباً فيها أن تحول الحكومة المصرية دون سفري إلى فلسطين .

ثم تلا ذلك مقابلة أخرى مع الأستاذ إبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان وقتئذ أبلغني خلالها طلب الملك (السابق) مني أن لا أسافر إلى فلسطين في الظروف الحاضرة لأن سفري يضر بقضية فلسطين ضرراً كبيراً ، ويضر بوحدة جبهة الدول العربية التي تقوم اليوم بالحرب لإنقاذها ، وحذرني من مغبة ذلك!

دخول منطقة غزة :

فاضطرتني هذه الموانع المتتابعة إلى التريث قليلاً ، ولكن عزيمتي على السفر إلى فلسطين في أول فرصة لم تهن وعولت على أن لا أرضخ لأية محاولة لمنعي من الوصول إليها، وقد سنحت الفرصة مساء الاثنين الواقع في 27 سبتمبر 1948، فسافرت إلى فلسطين ، واستعنت ببعض الضباط الأحرار المصريين وغيرهم من المخلصين الأبرار، وغادرت القاهرة خفية رغم ما اتخذته السلطات المصرية القائمة حينئذ من وسائل لمنعي من السفر، من حراسة قوية ، وتدابير احتياطية على الطرق المؤدية إلى سيناء وحدود فلسطين .

وقد وصلنا غزة صبيحة اليوم التالي 28 سبتمبر 1948 وأقمنا بها فترة قصيرة انعقد خلالها المجلس الوطني الفلسطيني ، وتألفت فيها حكومة عموم فلسطين ، وشرعنا مع إخواننا في تظيم مجاهدي فلسطين وتجهيزهم وتجنيد جميع القادرين على الجهاد في كافة المدن والقرى الفلسطينية التي لم يحتلها اليهود ، من رفح إلى جنين ، وقد تقاطرت وفود الفلسطينيين ومجاهدوهم من سائر فلسطين إلى غزة استعداداً لاستئناف الكفاح والجهاد ضد العدو .

تدخل السلطات الاستعمارية :

وفي الخامس من أكتوبر وصل إلى غزة اللواء السابق حسين سري عامر الذي كان مديراً لسلاح الحدود، وزارني حيث كنت أقيم بمنزل الوطني الكبير السيد موسى الصوراني الذي اتخذناه مركزاً للعمل، وأبلغني رسالة من المرحوم محمود فهمي النقراشي رئيس الوزارة حينئذ بتكليفي بالعودة إلى مصر لضرورة ماسة ، وزاد حسين سري عامر على ذلك بأن رئيس الوزارة العراقية السيد مزاحم الباجه جي والمرحوم محسن البرازي وزير الخارجية السورية موجودان بالقاهرة ، وأنه يرغب في محادثتي معهما بشؤون مهمة تتعلق بقضية فلسطين. فأبلغته أنني لا أستطيع الذهاب في هذه الظروف إلى القاهرة لضرورة بقائي في غزة بسبب تنظيم المجاهدين ومقابلة الوفود القادمة من أرجاء البلاد، وطلبت منه أن يبلغ عذري لرئيس الوزراء .

وفي مساء اليوم الثاني أي في 6 أكتوبر أبلغني حسين سري عامر النقراشي يريد محادثتي بالتليفون ، وطلب إلى الذهاب إلى مقر الحاكم الإداري في غزة ، وكان مقره أشبه بقلعة حصينة كانت سابقاً مركزاً للبوليس الحربي لحكومة الانتداب البريطاني ، فأضطررت الذهاب إليها، ولما دخلتها حال الجنود دون دخول الحرس الذي كان معي ، واتصلت بالنقراشي الذي ألح على بالحضور حالاً قائلاً إن الضرورات السياسية والعسكرية تقضي بذلك ، وأحالني على الفريق محمد حيدر وزير الحربية حينئذ ، الذي كان عنده ، فحادثني الفريق محمد حيدر وأصر عليّ بالحضور فوراً إلى القاهرة محتجاً بأن منطقة غزة هي منطقة حربية، وعندئذ أدركت أنهم يريدون منعي من البقاء في أي جزء من فلسطين بسبب ضغط الاستعمار ، فاحتججت على ذلك، وأبديت أشد اللوم على الطريقة التي اتخذوها معي، ولكني لم أشأ أن أعارض في السفر لأني خشيت أن يقع صدام مسلح بين القوات المصرية والمجاهدين الفلسطينيين الذين كان عددهم في غزة لا يستهان به، ولم يمهلني حسين سري عامر إلا ساعة ريثما أحضروا لي بعض حقائبي، كما أنه لم يمكني من الخروج من القلعة إلا إلى السيارة العسكرية التي حملتني إلى القاهرة بحراسة قوية من سيارات البوليس الحربي المسلحة وعلى رأسها حسين سري عامر وذلك عند منتصف ليل 6-7 أكتوبر سنة 1948 فوصلت القاهرة ظهر اليوم السابع من أكتوبر.

وعقب وصولي إلى القاهرة زيدت الحراسة على بيتي حتى أصبح عدد الجنود المحيطين به سبعين جندياً وثلاثة من الضباط ، وهكذا حيل بيني وبين العودة إلى فلسطين .

وبعد انتهاء الحركات الحربية في منطقة غزة وإبرام هدنة رودس طلبت السماح لي بالإقامة في تلك المنطقة ، فلم يسمح لي بذلك .

وقد منعت كما منع أعضاء الهيئة العربية العليا في بعض البلاد العربية من زيارة مخيمات اللاجئين بحجة أن ذلك يثير حماسة اللاجئين. بينما تريد دول الاستعمار المسيطرة على هيئة الأمم المتحدة ولجنة الإغاثة تهدئتهم تمهيداً لتصفية القضية الفلسطينية .

لقد استطاع الأعداء أن يحولوا بيننا وبين دخول بلادنا وأن يشردونا طول هذه الأعوام وأن يحرمونا من العيش في موطننا .

فقد اضطروني إلى الخروج خفية من القدس عام 1937 إلى لبنان حيث أقمت سنتين ولما أشتد علي ضغط الأعداء غادرت لبنان إلى العراق حيث أثمت سنة ونصف سنة ، ولما حدثت حرب العراق عام 1941م خرجت مع من خرج من العراق من أحرار العرب، من عراقيين وسوريين وفلسطينيين وغيرهم ودخلت إيران، ولما احتل الإنجليز والروس إيران ، أعلن المارشال ويفل الذي كان قائداً عاماً للقوات البريطانية في مصر والشرق الأوسط ثم في الهند، جائزة قدرها خمسة وعشرون ألف جنيه لمن يقبض علي او يفضي بمعلومات تؤدي إلى إلقاء القبض عليّ . فاضطررت إلى مغادرة إيران خفية . ولما لم استطع الالتجاء إلى أفغانستان أو تركيا أو غيرهما من الأقطار الإسلامية فقد اضطررت أن أسافر إلى أوربا مع عدد من أخواني المجاهدين وبقيت فيها خلال مدة الحرب .

إلى هذا الحد بلغ تعسف الأعداء معنا في الوقت الذي جمعوا فيه مئات الألوف من غرباء اليهود المشردين وهو أشد ما يبلغه بغي وعدوان، ولئن استطاعوا أن يرمونا بأنواع الرزايا والبلايا والمصاعب والمصائب . فما لينوا منا قناة صليبة، ولا استطاعوا أن يمنعونا من الكفاح الدائم ، والدأب المستمر في سبيل هذا الوطن الحبيب، ولن يستطيعوا منعنا من العودة إليه والمشاركة في معركته المقبلة متى آن الأوان ، وهو قريب إن شاء الله .

لماذا لم تكن الهيئة العربية العليا في فلسطين أثناء المعركة ؟

ولماذا لا تقيم الآن فيها ؟

تألفت الهيئة العربية العليا لفلسطين من رؤساء ومندوبي الأحزاب والمنظمات العربية الفلسطينية في يونيو 1946 بقرار من مجلس جامعة الدول العربية الذي انعقد في بلودان (سوريا) ونالت تأييداً إجماعياً من عرب فلسطين ، وخلفت اللجنة العربية العليا في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية ، وانضم إليها صفوة من كرام الوطنيين الفلسطينيين الذين عرفوا بكفاحهم وحسن بلائهم في سبيل القضية ، وكانوا مشردين خارج فلسطين – ما بين معتقل، أو مبعد عن وطنه- لمقاومتهم سياسة الاستعمار البريطاني اليهودي .

وبما أن القاهرة أصبحت محور العمل للقضايا العربية ، ولعدم استطاعتي وبعض إخواني دخول فلسطين بسبب إصرار السلطة البريطانية التي كانت مسيطرة عليها في ذلك الحين، فقد رؤى أن تتخذ الهيئة العربية من القاهرة مركزاً رئيسياً لها يعمل فيه الأعضاء الممنوعون من دخول فلسطين ، وأن تتخذ لها في القدس مركزاً آخر يعمل فيه الأعضاء الذين لم يكونوا ممنوعين من الإقامة بفلسطين .

جهود الهيئة في إعداد البلاد للمعركة المقبلة :

وقامت الهيئة بإدارة دفة القضية الوطنية خلال ظروف دقيقة صعبة، قرابة عامين، كانت السياسة الإنجلوأمريكية تعمل خلالها بالتفاهم التام مع اليهود لتحقيق سيطرتهم على فلسطين. فخلال هذين العامين لم تدخر الهيئة جهوداً في جمع شمل أهل فلسطين وتنظيم صفوفهم وإعداد البلاد للمعركة المقبلة بين العرب واليهود بتزويدها بالسلاح والعتاد وكل ما تحتاج إليه المعركة من وسائل، حسب استطاعتها . ولم يكن هذا أمراً سهلاً على الهيئة في ظروفها الدقيقة فقد كانت السلطات البريطانية تحول بكل وسائلها بين العرب والتسليح ، بينما هي تساعد اليهود عليه. ومع ذلك فقد استطاعت الهيئة بوسائلها القليلة ومواردها المالية الضئيلة ، ورغم منع السلطة البريطانية، اشتراء كمية كبيرة من مختلف أنواع الأسلحة والأعتدة ونقلها في مشقات ومخاطر جسيمة مئات الكيلومترات عبر الصحاري والحدود لايصالها إلى فلسطين . وكان الحصول على هذه الأسلحة وإيصالها إلى فلسطين عسيراً في بادئ الأمر ، حتى أن بعض من عهدت إليهم الهيئة العربية بهذه المهمة قد سجنوا في عام 1946 وفي النصف الأول من عام 1947 . ثم استطاعت الهيئة فيما بعد تذليل بعض العقبات القائمة في هذه السبيل .

الضباط الأحرار يقدمون أنفسهم للدفاع عن فلسطين :

ومما هو جدير بالذكر أن عدداً من ضباط مصر الأحرار كانوا يرغبون في مساعدة حركة الجهاد الفلسطيني ، وأذكر أن حضرة البكباشي أركان الحرب السيد جمال عبد الناصر، زارني أكثر من مرة في أوائل عام 1948 ومعه المرحوم الصاغ المتقاعد محمود لبيب وعرض على استعداه وإخوانه من الضباط الأحرار للمشاركة في حرب فلسطين وقيادة حركة الجهاد، فشكرت له هذه العاطفة الكريمة والشعور الفياض واتفقت معه مبدئياً ولكن السلطات في ذلك الحين عارضت في ذلك ، غير أنها لم تستطع أن تمنعهم من الاشتراك في الجهاد بفلسطين بعد دخول الجيش المصري، فبذلوا من جهودهم وأراقوا من دمائهم الزكية في ثرى فلسطين ما يسجل لهم بالشكر والتقدير .

وكذلك أقامت الهيئة في مصر عدة مصانع وورش ومخازن لإصلاح السلاح وصيانته وتخزينه لأن أكثره من مخلفات الجيوش أو كان مدفوناً في باطن الأرض أو ملقي في الصحراء، وأنشأت أيضاً مصنعاً لتعبئة الذخيرة في دمشق ومستودعات في دمشق وبيروت وصيدا والسلوم ومرسي مطروح والحمام والعريش وكثيراً من أمثالها في داخل فلسطين . وقامت الهيئة العربية بإنشاء جيش الجهاد المقدس، بقيادة الشهيد المرحوم السيد عبد القادر الحسيني يساعده عدد من المشهود لهم بالبسالة والخبرة من قوات المناطق في فلسطين ، وأكثرهم من الذين تدربوا عسكريا في العراق وبعضهم في ألمانيا ، ويساعدهم عدد من الضباط سوريين وعراقيين . فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً .

الهيئة العربية تنقل السلاح بالطائرات :

ولما اشتد خطر الهجوم اليهودي على القدس وقضت الحالة بسرعة إيصال السلاح والعتاد إلى المجاهدين الفلسطينيين ، عمدت الهيئة إلى استئجار بعض الطائرات، كما تفضلت الحكومة اليمانية المتوكلية فإعارتها ثلاث طائرات بدون مقابل، ونقلت السلاح بواسطتها من القاهرة ودمشق إلى فلسطين وبذلك تمكن المجاهدين المدافعون عن القدس من صيانتها وحفظها من السقوط في أيدي القوات اليهودية المهاجمة، كما تمكنوا من دفع العدو في بعض الجهات الأخرى .

وظل الذين في داخل فلسطين من أعضاء الهيئة يقومون بأعمالهم الوطنية خير قيام، إلى حين تدخل الجيوش العربية، وإعلان المغفور له الملك عبد الله – بصفته القائد العام – حل جيش الجهاد المقدس ، وإلغاء الهيئة العربية العليا ..

وقد اشترك بعض أعضاء الهيئة في الوفود والبعثات السياسية التي أوفدتها الهيئة إلى أوربا وأمريكا وغيرهما للدفاع عن القضية الفلسطينية .

فمنذ سيطرت القوات العسكرية الأردنية بقيادة الجنرال جلوب على المنطقة الواقعة بين الخليل جنوباً ، وجنين شمالا ، لم تعد الهيئة العربية العليا تملك حرية العمل في فلسطين في ذلك الظرف ، بعد ما أصبح قيامها غير مشروع في نظر السلطات الأردنية، وبعدما حلت هذه السلطات جيش الجهاد المقدس التابع للهيئة وصادرت سلاحه ومعداته، وطاردت كثيرين من جنوده وضباطه، فاضطرت الهيئة أن تقفل مركزها الذي كان في القدس، وأن تعزز مكاتبها في دمشق وبيروت وغزة، بالإضافة إلى مكتبها المركزي في القاهرة .

أما لماذا لم ترجع الهيئة العليا إلى فلسطين لتمارس أعمالها في شتى نواحي القضية الوطنية ، فلأنها منعت من ذلك وحرمت من حرية العمل في القسم الذي استولت عليه السلطات المهيمنة على البلاد بقيادة الجنرال جلوب الذي يسيطر على كافة القوات المسلحة من جيش وشرطة وعشائر .

ولهذه المناسبة استرعى النظر إلى الحقيقة الواقعة الآتية : وهي أن الحكومة البريطانية التي أعلنت رسمياً انتهاء انتدابها على فلسطين وانسحابها منها في 15 مايو 1948م ، لم تنسحب عمليا إلا من المناطق التي تسلمها لليهود . أما بقية المناطق الفلسطينية – ما عدا منطقة غزة – فإنها لم تنسحب منها، وما تزال تسيطر عليها سيطرة عملية شاملة بالقوات المسلحة المذكورة ، وبالهيمنة على جميع شؤونها الأخرى . ولها في القدس ونابلس وغيرهما قنصليات أو مراكز استخبارات . ولها في الحقيقة السلطة العليا الكاملة التي لا معقب لحكمها . وهي لا تمكن أهل فلسطين ولا الأردن من إعداد العدة الكافية من تسليح وتحصين وتنظيم لرد عادية اليهود المحدقة ، بل تعمل جهدها للتمهيد لتسليمها إلى اليهود كما سلمتهم الشطر الأول منها وفقا للمؤامرة اليهودية الاستعمارية المعروفة .

وهذه السلطة الاستعمارية، ولا أقول الحكومة الأردنية ، هي الحائل الحقيقي لعودة الهيئة العربية إلى ذلك القسم من فلسطين ولقيامها بأي نشاط سياسي أو غير سياسي . ولذلك أصبحت الهيئة مضطرة أن تمارس نشاطها خارج فلسطين في بلاد يكون لها فيها حرية العمل ، شأنها في ذلك شأن الحكومات والهيئات التي تضطرها الظروف إلى الخروج من بلادها وممارسة أعمالها في بلاد أخرى. ولو كان للهيئة العربية أن تختار لما اختارت غير فلسطين مقرا لها وميدانا لجهادها . وقد أوجزت لكم سابقاً المحاولات العديدة التي قمت بها للسفر إلى فلسطين وانتهت بإعادتي من غزة في العهد السابق ولعلي بذلك أكون قد قمت صورة صحيحة للرأي العام العربي عن الظروف والملابسات التي أحاطت بموقف الهيئة العربية من هذا الأمر .


ليست هناك تعليقات: