الأحد، فبراير 15، 2009

حقائق عن قضية فلسطين 7 للحاج أمين الحسيني مفتي القدس


مواقف أمريكا من قضية فلسطين
موقف عداء للعرب وتحيز لليهود
أمريكا وافقت على الانتداب واحتضنت مشروع التقسيم ودافعت عنه
السؤال السابع :
ما هي حقيقة موقف الولايات المتحدة الأمريكية من قضية فلسطين، وماذا يطلب العرب من أمريكا ؟
وهل تعتقدون أن في الاستطاعة حمل هذه الدولة – بالطرق الدبلوماسية والسياسية وبالدعاية – على العدول عن موقفها ؟
الجواب :
كان العرب يعتقدون أن الشعب الأمريكي صديق لهم ، وحريص على احترام مبادئ العدل والحرية والمساواة التي قامت الثورة الأمريكية على أساسها، وعلى مبادئ الرئيس ولسون الأربعة عشر التي أعلنها خلال الحرب العالمية الأولى . وكانت الشعوب العربية تنظر إلى الولايات المتحدة كموئل لتلك المبادئ بدليل أنها أوفدت عام 1919 لجنة (كنغ – كرين) لاستفتاء الشعب العربي في الأقاليم المنسلخة عن الدولة العثمانية ، في تقرير مصيره ، والاطلاع على حقيقة شعور سكان تلك الأقطار ومطالبهم.
موافقة أمريكا على تصريح بلفور :
غير أن العرب – ولاسيما أهل فلسطين – أخذوا يفقدون ذلك الشعور على مر الأيام ، وأصيبوا بخيبة الأمل للموقف العدائي الذي وقفته السياسة الأمريكية منهم . وجاء أول دليل على ذلك في برقية أرسلها الكولونيل هاوس مستشار الرئيس ولسون إلى وزارة الحرب البريطانية بتاريخ 16 أكتوبر 1917، (ولم يعرف العرب أمر هذه البرقية إلا فيما بعد) يعلنها فيها بموافقة الرئيس ولسون والحكومة الأمريكية على نص تصريح بلفور، الذي كان قد رفع إلى الرئيس الأمريكي للحصول على رأيه فيه وموافقته عليه .
موافقة أمريكا على الانتداب البريطاني :
ثم استبان العرب أن أمريكا وافقت على فكرة "الانتداب" الشيطانية التي ابتكرها دهاقنة الاستعمار، لستر نياتهم الحقيقية، والتمويه على الشعوب المستضعفة ، فإنها ما لبثت أن أقرت السياسة العامة لمجلس الحلفاء الأعلى عام 1919 في شأن الأقطار العربية .
وفي 30 يونيو 1922 أصدر الكونغرس الأمريكي قراراً رسمياً بالموافقة على وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني . ووقع الرئيس هاردنج ( الذي خلف الرئيس ولسون) ذلك القرار في 20 سبتمبر 1922 وبذلك أصبحت سياسة إنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين خطة التزمت بها الولايات المتحدة الأمريكية التي أضحت فيما بعد من أهم المراكز لنشاط الحركة الصهيونية اليهودية ، وأعظم مصدر لتمويل المؤسسات اليهودية ، العاملة على اشتراء أراضي فلسطين واستثمارها ، حتى أن ثلاثة أرباع الأموال التي دخلت صناديق تلك المؤسسات كانت من تبرعات الأمريكيين يهوداً وغير يهود .
وأذكر فيما يلي بعض الوقائع الثابتة على تحيز الولايات المتحدة للاستعمار واليهود ضد العرب:
1- عندما انعقد مؤتمر المائدة المستديرة بين العرب والإنجليز في لندن عام 1939 وبدا من الحكومة الإنجليزية بعض الميل إلى تعديل سياستها في فلسطين لصالح العرب، تحت ضغط الظروف الدولية ، وتلبد الجو السياسي ، تدخل الرئيس الأمريكي لدى الحكومة الإنجليزية تدخلاً حال دون الوصول إلى اتفاق .
2- تقدم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي إلى لجنة الشؤون الخارجية بمشروع قرار بإلغاء الكتاب الأبيض لفلسطين لعام 1939 وتحويل فلسطين إلى دولة يهودية . وخشي المستر جورج مارشال وزير الخارجية الأمريكية .. الذي تقلد حينئذ مركز رئيس أركان حرب الجيش الأمريكي – من إثارة ذلك الاقتراح شعور العرب، فكتب إلى لجنة الشؤون الخارجية طالباً عدم بحث الاقتراح ، فنزلت اللجنة عند طلبه، ولكن مارشال لم يلبث بعد ما تبدل مجرى الحرب لصالح الحلفاء أن أرسل كتاباً إلى المستر واغنر عضو اللجنة المذكورة قال فيه : إن الاعتبارات التي حملته في السابق على معارضة اللجنة للاقتراح آنف الذكر قد زالت الآن .
3- لما نشبت الحرب العالمية الثانية ، وقفت الولايات المتحدة موقفا صريحا في تأييد الاستعمار البريطاني والقضية اليهودية على الرغم من ادعائها الحياد . وأوفد الرئيس روزفلت عام 1941 الكولونيل دونافان إلى سورية ولبنان ، والعراق ، والكولونيل هو سكينز إلى الجزيرة العربية بصفتهما مندوبيه الشخصيين للاتصال بزعماء العرب وإقناعهم بضرورة الوقوف إلى جانب بريطانيا في الحرب . وفي بغداد طلب دونافان مقابلتي بواسطة السيد توفيق السويدي وزير خارجية العراق حينئذ فقابلته في 13/2/1941 وكان معه المستر نابنشو القائم بأعمال السفارة الأمريكية ، فذكر ضرورة تأييد السياسة البريطانية . فقلت له كيف يمكننا تأييد السياسة التي تعمل لتهويد بلادنا ؟ فأجاب : أن هذه المسألة يمكن تسويتها بعد انتهاء الحرب .
تأييد أمريكا لقرار المؤتمر الصهيوني العالمي :
4- عقد المؤتمر الصهيوني العالمي دورة استثنائية في نيويورك بفندق بلتمور في مايو 1942 واتخذ في جلسة 11 مايو قرارا "بتحويل فلسطين إلى دولة يهودية (كومنولث) وإجلاء سكانها العرب إذا كانوا يعارضون في ذلك ، فرحبت الصحافة الأمريكية بذلك القرار وأيدته بحماسة وقوة، وأعلن الرئيس روزفلت وغيره من رجال السياسة الأمريكيين تأييدهم لذلك القرار .
واجتمع مؤتمر الحزب الجمهوري في 27 يونيو 1944 فرشح المستر جون ديوي لرئاسة الجمهورية . وانعقد مؤتمر الحزب الديمقراطي في 24 يونيو 1944 ورشح لها المستر روزفلت وقرر كل من المؤتمرين – وهما يمثلان شعب الولايات المتحدة – تأييد القرار اليهودي آنف الذكر . وأرسل روزفلت إلى السناتور واغنر كتاباً في أكتوبر 1944 قال فيه : إنه إذا أعيد انتخابه للرئاسة فإنه سيبذل كل جهوده لتنفيذ قرار تحويل فلسطين إلى دولة يهودية وكذلك قطع المرشح الجمهوري ديوي على نفسه عهداً مماثلاً .
5- بعد تسلم ترومان مركز رئاسة الجمهورية خلفاً لروزفلت أصبحت سياسة أمريكا أشد إمعانا وإيغالا في تأييد الصهيونية ، حتى أن رجال الكنيسة البروتستانتية أخذوا يتدخلون متشددين لتأييد القضية اليهودية ، ووقع نحو خمسة آلاف قس منهم معروضاً إلى الحكومة في فبراير 1945 طالبين فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية .
وكذلك قدمت أكثرية أعضاء مجلس النواب والشيوخ طلباً بتاريخ 2 يوليو 1945 بإنشاء دولة يهودية في فلسطين ، وأرسل الرئيس ترومان نفسه بتاريخ 31 أغسطس 1945 كتابا إلى المستر كليمنت أتلى رئيس الوزارة البريطانية يطلب فيه إدخال مائة ألف يهودي دفعة واحدة إلى فلسطين ، وأن تفتح أبواب فلسطين فيما بعد دون قيد أو شرط للهجرة اليهودية .
تأييد أمريكا لمشروع تقسيم فلسطين :
6- برز تأييد أمريكا لمشروع تقسيم فلسطين وتشكيل دولة يهودية فيها بروزاً قوياً ، فقد احتضنت أمريكا مشروع التقسيم الذي أشارت به اللجنة الموفدة إلى فلسطين في مايو 1947 من قبل الجمعية العمومية للأمم المتحدة ، وقامت بالدفاع عنه في دورة الجمعية في خريف ذلك العام ، حتى حملتها بالتعاون مع بريطانيا، على إصدار قرارها الظالم بتقسيم فلسطين في 29 نوفمبر 1947 .
ملكيون أكثر من الملك :
وقد ذكر وايزمان في مذكراته حادثاً يدل على أن الأمريكيين كانوا ملكيين أكثر من الملك في تأييدهم لليهود . فقد حدث خلال مناقشات الجمعية العمومية في الأمم المتحدة لمشروع التقسيم أن اقترح بعض الوفود – ومنها الوفد الأمريكي – تقسيم أراضي النقب بين العرب واليهود، وإعطاء العقبة للعرب . فذهب وايزمان إلى واشنطون وقابل الرئيس ترومان في 19 نوفمبر 1947 وباحثه في أمر فلسطين . وأبلغه أن اليهود يقبلون بتقسيم النقب بينهم وبين العرب على أن تكون العقبة نفسها من نصيب اليهود . ولكن ترومان أصدر تعليماته للوفد الأمريكي في الجمعية العمومية بأن يعمل على أن يكون النقب كله (ومساحته نحو ثلاثة ملايين فدان) والعقبة أيضا من نصيب اليهود !
مصرع الكونت برنادوت :
وفي سبتمبر عام 1948 وقع حادث مصرع الكونت فولك برنادوت الذي عينته الأمم المتحدة وسيطاً لها لحل قضية فلسطين بعد وقف القتال بموجب الهدنتين الأولى والثانية . وقد جاء مقتله دليلاً على الأهمية التي يعلقها اليهود على استيلائهم على النقب واستغلاله وفقاً لمشروع (لاوذر ملك) بريه من المياه العربية الآتية من روافد نهر الأردن من سورية ولبنان والعراق وشرقي الأردن. فبعدما درس الكونت برنادوت القضية درساً وافياً قدم للأمم المتحدة تقريرا أوصى فيه بضم النقب إلى العرب . فثار اليهود عليه بسبب ذلك الاقتراح وقتلوه غيلة في أحد شوارع القدس . فمات بموته مشروع جعل النقب من نصيب العرب .
7- لما نشب القتال في فلسطين على إثر صدور قرار التقسيم ، هب الأمريكيون إلى مساعدة اليهود بجميع الوسائل فجمعوا لهم الأموال الطائلة ، وسخروا الصحف ومحطات الإذاعة للدعاية لهم ، وتطوع عدد من الأمريكيين في القوات اليهودية في فلسطين ، ونقلت الطائرات الأمريكية من الولايات المتحدة كميات من المعدات والأسلحة إلى يهود فلسطين عن طريق (براغ) ، وأنزلت باخرة أمريكية اسمها السهم الطائر Flying Arrow في ميناء حيفا في مارس 1947، (54) دبابة تحت ستار "جرارات زراعية" ! وما أذكره هنا هو غيض من فيض من المساعدات التي قدمها الأمريكيون لليهود .
اقتراح وضع فلسطين تحت الوصاية :
8- ولما حاقت الهزيمة بيهود القدس في مارس 1948 وأطبق عليهم المجاهدون من كل الجهات حتى رفعوا رايات التسليم ، كان قنصل الولايات المتحدة العام في مقدمة رجال الهيئة الدبلوماسية الذين تدخلوا لرفع الحصار عنهم ، وأعلن المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة في 19 مارس 1948 عدول حكومته عن تأييد قرار التقسيم مقترحاً وضع فلسطين تحت وصاية دولية ، فلما تبدل الموقف العسكري في فلسطين في أوائل أبريل بسبب حرمان المجاهدين الفلسطينيين من السلاح والذخيرة ، وقيام اليهود بأعمالهم الإجرامية في دير ياسين وغيرها لم يظهر أي استنكار أمريكي رسمي أو غير رسمي لتلك الفظائع ، بل عادت أمريكا إلى المغالاة في تأييد اليهود، ورجعت إلى تأييد سياسة التقسيم .
إسراع ترومان للاعتراف بالدولة اليهودية :
9- ومن أعجب مظاهر السياسة الأمريكية إسراع الرئيس ترومان للاعتراف بالدولة اليهودية في 15 مايو بعد مرور بضع دقائق من إعلان اليهود لها، بالرغم من أن هذه الدولة قامت على أساس البغي والعدوان والاجتياح (وهي أمور تدعي أمريكا أنها حاربتها في كوريا) وبالرغم من أنها لم تكن قد توفرت لها المقومات الأساسية التي تجيز الاعتراف بها .
مساعدة اليهود مالياً وسياسياً وعسكريا :
10- وبعد قيام الدولة اليهودية ، اجتاحت الولايات المتحدة موجة عارمة من الجهود والمساعي الحثيثة لمدها بالمساعدات المالية والعسكرية والسياسية، حتى أنها سمحت لها بطرح سندات قروضها للبيع في الأسواق المالية الأمريكية ، وأذنت لبنك الإصدار بتزويدها بالقروض الضخمة، ولم تحل المراكز الرسمية والمناصب السياسية دون اشتراك الرجال الرسميين من الأمريكيين في الدعاية للدولة اليهودية والقيام بأعمال الجباية لها كما صنع المستر باوكلي ، وهو في منصب نائب رئيس الجمهورية . وقرر كل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي ، في مؤتمريهما المنعقدين في شيكاغو في صيف 1952 تأييد الدولة اليهودية ومواصلة مساعداتها .
ألف مليون دولار لليهود :
11- أعلن مستر "أندرسن" وكيل وزارة التجارة في حكومة الرئيس ايزنهاور في 15 مارس 1953، أن حكومة الولايات المتحدة وشعبها قدما ليهود فلسطين في المدة الواقعة بين سنتي 1948-1952 نحو ألف مليون دولار (بليون دولار) هبات وعطايا وقروضاً .
وكذلك أعلن السناتور "رايلي" رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي في 29 مارس 1953 في خطبة له في مؤتمر مساعدة إسرائيل، أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر الدولة اليهودية ،القاعدة الأساسية للشؤون العسكرية والاقتصادية والديمقراطية في الشرق الأوسط .
12- تجاوزت الولايات المتحدة في مساعداتها لليهود نطاقها الداخلي إلى الحيز الدولي ، وعملت جاهدة عامدة على منع السلاح عن البلاد العربية ، على حين أغدقته إغداقاً على اليهود، مما حملهم على التمادي في غلوائهم واعتداءاتهم المتواصلة على العرب. وعند رغبتها في منح مساعدات مالية للأقطار المختلفة في ميدان الحضارة والتقدم وضعت الأمة العربية كلها بقضها وقضيضها ودولها في كفة ، ويهود فلسطين في كفة أخرى، وساوت بين الطرفين في المبالغ المقترح منحها لهما . وأخيراً رجحت كفة اليهود واعتبرتهم أمريكا أعظم شأناً وأكثر أهمية من العرب جميعاً، وطفقت تزودهم بالأموال والقروض ، بينما هي تضن بشيء منها على العرب .
حمل ألمانيا الغربية على تعويض اليهود بمبلغ (875) مليون دولار :
13- وكانت الولايات المتحدة عاملاً قوياً في حمل حكومة ألمانيا الغربية على القبول بدفع تعويضات مالية عظيمة لليهود تبلغ نحو 875 مليون دولار بموجب اتفاقية عقدتها مع ممثلهم ، وهي اتفاقية باغية قدمت الهيئة العربية العليا بشأنها عدة مذكرات للدول العربية والأمم المتحدة.
وأخيراً رأينا السياسة الأمريكية ترمي إلى غايتين خطيرتين بالنسبة إلى كل من العرب واليهود: الأولى المحافظة على الكيان اليهودي في فلسطين وضمان استقراره وازدهاره ، والأخرى تصفية قضية عرب فلسطين والتعفية على آثار اللاجئين لإزالة المظهر الأخير من مظاهر الجريمة النكراء التي اقترفتها السياسة الاستعمارية الغربية في فلسطين وأهلها، والقضاء على كل مصدر من المصادر التي تظن فيها الخطر على الدولة اليهودية . ففي الناحية الأولى ساهمت أمريكا في إصدار البيان الثلاثي في مايو 1951 لضمان حدود الدولة اليهودية . وبذلت جهوداً كثيرة لحمل العرب على عقد الصلح مع اليهود والاعتراف بدولتهم، منها اشتراكها في تقديم مشروع صلح بين العرب واليهود للأمم المتحدة في عام 1952 دون التقيد بمقررات الأمم المتحدة بشأن فلسطين ، وما كان تقديمها قضية عدوان اليهود الهمجي على قرية (قبية) لمجلس الأمن إلا تمهيداً لاستصدار قراره المعروف بإجراء مفاوضات مباشرة بين الأردن واليهود . وكانت الولايات المتحدة (التي ما برحت تدعي الإخلاص لميثاق الأمم المتحدة، وأنها حاربت في كوريا احتراما منها لمقرراتها ) هي نفسها التي أغضت عن تحدي اليهود المتواصل لمقررات الأمم المتحدة بشأن فلسطين، واستمرارهم في أعمالهم العدوانية على المناطق العربية.
تصريح خطير لمساعد وزير الخارجية :
وما أكثر الذين صرحوا من الساسة الأمريكيين بأن الولايات المتحدة ستقف في صف اليهود في فلسطين، وأنها تؤيد كيانهم وبقاء دولتهم بكل الوسائل. وآخر تصريح من هذا القبيل ما أدلى به المستر "بايرود" مساعد وزير الخارجية الأمريكية في مؤتمره الصحفي (في 2فبراير 1954) في واشنطن بقوله : "إن إسرائيل وجدت هناك لتبقى، وإن أمريكا هنا لتؤمن حياتها" .
يحاولون تصفية قضية فلسطين :
ومن الناحية الأخرى فإن "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين، التي تعمل بتأييد أمريكا وإرشادها تدل جميع أعمالها وأساليبها على أن لها خطة مرسومة في تصفية قضية فلسطين ، وذلك بإبعاد اللاجئين الفلسطينيين عن حدود بلادهم ، وتقويض كيانهم، إما عن طريق تجويعهم وإضعافهم صحياً وروحياً، وإما عن طريق إدماجهم في الأقطار العربية . ولهذه الأهداف نشأت مشروعات الأشغال التي تقوم بها الوكالة، وتمول القسم الأكبر منها الولايات المتحدة، ومن هنا نشأت فكرة ، مشروع جونستون ، الذي تواصل أمريكا مساعيها لحمل الدول العربية على القبول به .
وأذكر أن الولايات المتحدة خصصت عشرات الملايين من الدولارات لانفاقها في مشاريع إسكان اللاجئين خارج ديارهم ، فلما رأت إحجام الدول العربية عن القبول بالاشتراك في تلك المؤامرة ضد الفلسطينيين ، هددت بلسان مندوبها في الأمم المتحدة بسحب تلك الأموال ووقف مساعدتها المالية لإغاثة اللاجئين .
الولايات المتحدة والاستعمار :
ولم يخف المسئولون الأمريكيون حقيقة أهداف أمريكا الاستعمارية بصورة لا تدع مجالا للشك في أن أمريكا تؤيد الاستعمار وتسير سياستها الخارجية على رغباته . فقد صرح المستر "دالاس" وزير الخارجية في يونيو 1953 عقب زيارته للشرق الأوسط بأن أية حرية تعطى للشعوب التي تطالب بها "يجب أن لا تخرج عن نطاق الوحدة الغربية " .
وكذلك صرح المستر بايرود مساعد وزير الخارجية ، في نوفمبر 1953 بأن لأمريكا مصلحة في تأييد الدول المستعمرة ، وأن عليها أن تعالج المسائل الاستعمارية على ضوء صالحها الخاص، وأن استقلال الشعوب الساعية إلى الحرية لن يخدم مصالح الولايات المتحدة ولا مصالح العالم الحر.. وأن لأمريكا مصلحة في قوة واستقرار بعض الدول الأوربية التي تمارس نفوذا في مناطق غير مستقلة، وعلى ضوء تصريحات المستر دالاس والمستر بايرود يحق للمرء أن يفسر مواقف أمريكا في الأقطار العربية وشمال أفريقيا وإيران وغيرها من الأقطار الرازحة تحت كابوس الاستعمار .
خروج الولايات المتحدة عن حيادها :
بعدما أوجزت لكم خلاصة حقيقة موقف الولايات المتحدة الأمريكية من قضية فلسطين، أنتقل إلى الإجابة على الشق الآخر من السؤال فأقول :
عندما كانت الولايات المتحدة ملتزمة "شرعة مونرو" التي تمنعها من أن تتدخل في غير شؤونها وتقضي عليها بأن تلزم سياسة الحياد خارج البلاد الأمريكية ، اكتسبت احترام العالم عامة ولاسيما العالم العربي الذي قدر لها موقفها هذا كل التقدير، وبدأت علاقات صداقة ومودة تتوطد أركانها بين الولايات المتحدة والعالم العربي ، وكانت هذه العلاقات تطرد في سبيل النمو وتتوثق شيئاً فشيئا، إلى أن نبذت الولايات المتحدة شرعة مونرو وأخذت تتدخل في شؤون العالم الخارجية ، وزادت على ذلك بتأييدها السياسة الصهيونية وتعضيدها الدولة اليهودية تعضيداً قويا من الوجهات السياسية والمالية والعسكرية كما بينت سابقاً، وبذلك طرحت حيادها السابق المحمود، وتدخلت تدخلاً سافراً لصالح اليهود ضد عرب فلسطين فأغضبت بذلك سبعين مليون عربي وخمسمائة مليون مسلم، الذين أمضهم وأقلقهم أن تنسكب هذه الدولة العظيمة عن سواء السبيل ، وتنصر عليهم خصومهم المعتدين الباغين ، وتطعنهم طعنة دامية في صميم وطنهم ومقدساتهم .
محاولات لتضليل عرب فلسطين :
وإنه ليسوء كل عربي ومسلم أن تعمد الولايات المتحدة في سياستها نحوهم إلى محاكاة السياسة البريطانية الاستعمارية، واتخاذ أساليبها في محاولة تضليل عرب فلسطين ، فتوعز الدوائر المختصة في وزارة الخارجية الأمريكية إلى جماعة من رجال الدين والاجتماع والصحافة بتأليف لجان وهيئات تدعي صداقة العرب وتزعم أنها ستعمل على توجيه الرأي العام الأمريكي لتأييدهم ، وأن يعقد عدد من رجال الدين الأمريكيين مؤتمراً في بيروت في يونيو سنة 1951 ظاهرة العطف على اللاجئين وأن يشكلوا لجنة خاصة يرأسها المستر موريسون للعمل بين اللاجئين تحت ستار خدمتهم والعطف عليهم ، وحقيقتها إقناع العرب بقبول الأمر الواقع في فلسطين والرضا بمشاريع إسكان اللاجئين .
كما يسوء العرب والمسلمين أن تتجاوز تلك الهيئات والمنظمات الأمريكية حد التظاهر بالعطف على العرب ، وتجهر بضرورة مقاومة فكرة الحياد ، التي أخذت تنشر في المقامات العربية الرسمية وبين أفراد الشعوب العربية حتى أن نائب رئيس مؤسسة أصدقاء الشرق الأوسط، في نيويورك خطب منتقداً السياسة العربية الداعية إلى الحياد، وأن مستر موريسون مندوب اتحاد الكنائس الأمريكية في الشرق أخذ في صيف 1952 يقوم بنشاط سياسي لحمل العرب على قبول حل القضية الفلسطينية ليس هو من صالح العرب في قليل ولا كثير، وقد اتضح أن موريسون هذا كان على اتصال بوزارة الخارجية اليهودية بواسطة ممثلين عن السفارتين البريطانية والأمريكية .
نطلب من أمريكا الحياد التام :
وبالرغم من مرارة الشعور العربي هذا ، ورسوخ الاعتقاد في نفوس العرب بأن الولايات المتحدة تقف منهم موقف العداء الصريح، فأنهم لا يزالون حريصين على أن تزول العوامل المسببة لذلك الشعور، وراغبين في الوصول إلى تفاهم مع أمريكا على أساس المصالح المتبادلة ، وعلى أساس احترامها حرية الشعوب العربية وأراءها السياسية، ولتحقيق قيام ذلك التفاهم يطلب العرب من الولايات المتحدة ، والديمقراطيات الغربية أن تقف موقفاً حيادياً صحيحاً في النضال القائم بين الأمة العربية واليهودية العالمية التي تتمثل في السلطات اليهودية في فلسطين المحتلة . فإن التزام الولايات المتحدة لموقف الحياد الدقيق الصحيح بين العرب، وبين اليهود والاستعمار ، سيؤدي إلى إزالة الأسباب والعوامل التي تقلق العرب وتجعلهم يعتبرون الأمريكيين في صفوف أعدائهم .
هذا ولاشك أن مصلحة الولايات المتحدة نفسها تحتم عليها التزام موقف الحياد، والاقلاع عن التحيز لليهود والمستعمرين، وتأييدهم ضد العرب، فإن للولايات المتحدة مصالح اقتصادية وتجارية كثيرة في الأقطار العربية لا تستطيع الاطمئنان إلى سلامتها وازدهارها ما دام شعور القلق والنقمة يسود الشعوب العربية والعالم الإسلامي .
الدعاية في أمريكا :
أما إقناع الشعب الأمريكي بالدعاية ، فإني مع اعتقادي بأن للدعاية أثرها المفيد إلا أني لا أعتقد أنه سيكون لها أثر عملي حاسم في الولايات المتحدة الأمريكية فلا يجوز التعويل عليها وحدها، لأن في أمريكا أكثر من خمسة ملايين من اليهود متغلغلين في جميع نواحي الحياة الأمريكية من صحافة وإذاعة وسائر وسائل الدعاية ، عدا تغلغلهم في الأوساط الاقتصادية والسياسية . وقد كانت أصوات اليهود الانتخابية مؤثراً كبيراً في الأحزاب والحكومات الأمريكية على سياستها نحو فلسطين والشرق العربي وغيرهما، كما أن للشعب الأمريكي عطفاً خاصاً على اليهود لأن أكثريته من البروتستانت المتأثرين إلى حد بعيد بنبوءات التوراة التي جاءت في العهد القديم عن عودة اليهود إلى فلسطين . وهذا يفسر لكم الأسباب التي دعت إلى عقد مؤتمر من (5000) قسيس بروتستانتي أمريكي في فبراير سنة 1945 وقعوا فيه مذكرة إلى الرئيس ترومان يظهرون فيها شديد عطفهم على القضية الصهيونية ، ويطالبونه بفتح أبواب فلسطين لليهود بدون قيد أو شرط، فإن هذا العطف الروحي الذي استغله اليهود في جميع البلاد البروتستانتية كان له أكبر تأثير في تعضيد اليهود في كل من أمريكا وإنجلترا كما نوه بذلك الدكتور وايزمن في مذكراته قائلاً : "إن أهم العوامل الرئيسية التي حملت بريطانيا على منحنا وعد بلفور تلك العاطفة الروحية في الشعب البريطاني المتأثر بتعاليم التوراة" .
ولذلك فإن التعويل على الدعاية وحدها للتأثير على الولايات المتحدة في تعديل سياستها اليهودية خطأ وإضاعة وقت .
هذا وإن بعض الدوائر الأمريكية في الشرق العربي تحاول تخدير العرب، بحملهم على إرسال وفود للقيام بالدعاية في أمريكا للتأثير على الرأي العام فيها حتى لا ييأس العرب نهائياً من أمريكا ويقطعوا كل رجاء فيها . ولكن هذه المحاولات لن تنطلي على العرب الذين جربوها زمناً طويلاً في إنجلترا، ثم تبين لهم أنها لا تجدي فتيلاً وأن الغاية منها التضليل والتخدير وربط العرب بخيط واه من الأمل والرجاء، وأنها سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا .
وصفوة القول أن موقف أمريكا من قضية فلسطين موقف عداء واضح للعرب، وتحيز شديد لليهود ، وأن العالمين العربي والإسلامي متألمان أشد الألم من هذا الموقف الذي سيكون له أسوأ أثر على صلات أمريكا ومصالحها في المستقبل، وأن ما نطلبه من أمريكا هو الحياد التام في الخلاف القائم بين العرب واليهود .

هناك تعليقان (2):

~*§¦§ Appy §¦§*~ يقول...

متبعاك يا محمد ومبسوطه باللى انت بتنشره اوي

مهندس مصري يقول...

آبي
====
ربنا يبسطك كمان و كمان :)