الثلاثاء، فبراير 17، 2009

حقائق عن قضية فلسطين 9 للحاج أمين الحسيني مفتي القدس

بريطانيا أغرت يهود العالم بالهجرة إلى فلسطين

كيف نقضت بريطانيا عهودها المتكررة للعرب

فشل الإنجليز – رغم وسائل التعذيب الوحشية- في حمل الفلسطينيين على الرضوخ

السؤال التاسع :

ما هي أهداف السياسة البريطانية في الأقطار العربية والعالم الإسلامي ؟

وما هي الخطة التي سارت عليها في تنفيذ سياستها المرسومة في فلسطين ؟

الجواب :

للسياسة الإنجليزية خطة قديمة، بعيدة المدى، عميقة الغور، لا حيال فلسطين وحدها، بل حيال البلاد العربية عامة ، والشرق الإسلامي قاطبة .

فإن إنجلترا منذ تمكنت من قهر إسبانيا واحتلال جبل طارق عام 1115هـ (1704م) وولجت من هذا الباب إلى البحر الأبيض المتوسط الزاخر بالثروات العظيمة، والتجارة الواسعة، والذي لا يدانيه بحر آخر في موقعه الجغرافي والحربي الممتاز، ازداد نشاط شهوتها الاستعمارية فشرعت بالعمل لتحقيق مطامعها في هذه الأقطار والشواطئ التي يملك أكثرها العرب من جبل طارق حتى الإسكندرية . وكان يسيطر على معظم هذه الشواطئ الأفريقية والأسيوية والأوربية، الإمبراطورية العثمانية التي كانت تحكم أقطارا شاسعة في القارات الثلاث المحيطة بالبحر الأبيض وتملك معظم شواطئ ذلك البحر، فكانت بذلك العقبة الكبرى في سبيل المطامع الاستعمارية .

مساعي بريطانيا لتحطيم الدولة العثمانية :

ولا يتسع المجال هنا لبسط الوسائل الشيطانية التي توسلت بها إنجلترا، وتعاونها مع فرنسا وروسيا القيصرية حينئذ، ثم مع غيرهما من الدول الأوربية، لتحطيم الدولة العثمانية واحتلال بلادها قطراً قطرا إلى أن تمكنت من احتلال مصر عام 1299هـ (1882م) فاتخذ منها الإنجليز مركزاً رئيسياً في الشرق العربي لدوائر استخبارا تهم البارعة، ودعاياتهم الواسعة ولإلقاء شباكهم الاستعمارية في أقطار الإمبراطورية العثمانية . ولاسيما في البلاد العربية . وعنى الاستعمار البريطاني بالبلاد العربية خاصة لما لها من التأثير على العالم الإسلامي، ولما تشتمل عليه من أقطار واسعة ذات ثروات عظيمة وطرق تجارية ومواقع جغرافية وحربية ممتازة .

أخطبوط الاستعمار في البلاد العربية :

وأنه ليحزننا أن نرى أخطبوط الاستعمار البريطاني استطاع أن يستفحل ويتوغل في كثير من البلاد العربية حتى أطراف الجزيرة كالبحرين ومسقط وعمان وقطر والكويت وحضرموت وعدن ولحج وسائر المحميات في جنوب جزيرة العرب . هذا عدا استمراره على موافقة البغيضة المؤذية في مصر والسودان والأردن والعراق وليبيا . وما نشاهده من عدوانه ووسائله في اليمن والبريمي وسوريا وغيرها . أما فعلته الشنعاء وجريمته النكراء في فلسطين ففي غنى عن أي بيان، وسيظل جرحها يدمي وينغر على مدى الزمان .

فالاستعمار البريطاني – الذي أرغم على الخروج من الهند وباكستان وبورما وسيلان، وتقلقل مركزه في الملايو ، وتقلص نفوذه في إيران وسائر البلاد الآسيوية – لم يبق يرزخ تحت كلكله إلا العرب في آسيا وأفريقية، وحسبهم ذلك ذلاً وعاراً . أما سائر الشعوب الأفريقية الباسلة فإنا نراها آخذة بمكافحة الاستعمار الذي يحاول تعويض إمبراطوريته المفقودة في آسيا بإمبراطورية أخرى في أفريقية .

الإنجليز يقفون على إمبراطورية المغول :

لقد احتلت بريطانيا ووطدت أقدامها فيها وتمكنت – بدسائسها ومكايدها – من القضاء على الإمبراطورية المغولية الإسلامية التي استمر حكمها قروناً طوالاً في تلك الأقطار الشاسعة، ثم أخذت تحتل البلاد العربية الواقعة على طريق الهند تأميناً لطرق مواصلاتها، وتثبيتاً لأقدامها في إمبراطوريتها الآسيوية العظمى، فلما خرجت بريطانيا من الهند قبل بضع سنوات، لم تبق لها حجة في احتلال الأقطار الواقعة على طريق الهند، ولكنها المطامع الاستعمارية الجشعة التي تحرص بريطانيا عليها في الأقطار العربية من آسيوية وأفريقية، وما هي إلا حجة الذئب المفترس على الحمل الوديع ..

موقف إنجلترا من فلسطين :

أما موقف إنجلترا من قضية فلسطين فواضح ، وقد تكشف بعد التمحيص حتى بدا على حقيقته عارياً مفضوحاً للناس أجمعين .

ففي عام 1916 خلال الحرب العالمية الأولى، قطعت إنجلترا للأمة العربية عهوداً باستقلال جميع البلاد العربية المنسلخة عن تركيا بما فيها فلسطين، وهي المعروفة بعهود "ما كما هون" الذي كان معتمداً لإنجلترا في مصر، ثم اضطرت لتعزيزها بوعد آخر من اللورد بلفور وزير الخارجية البريطانية "وهو صاحب التصريح المعروف بتصريح بلفور المشؤوم الذي أعطاه لليهود في 2 نوفمبر 1917م .

معاهدة سايكس – بيكو بتقسيم البلاد العربية :

وبيان ذلك أن الشيوعيين لما وثبوا على روسيا القيصرية وغلبوا على أمرها واستولوا على مقاليد الحكم فيها ، أذاعوا جميع المعاهدات والوثائق السرية التي كانت لدى وزارة خارجية روسيا القيصرية، وكان من بينها معاهدة سايكس – بيكو السرية المعقودة في مارس 1916 بين إنجلترا وفرنسا، والتي تنص على تقسيم الدولة العثمانية، بما فيها البلاد العربية بين كلتا الدولتين المستعمرتين ، فبمقتضى تلك المعاهدة يكون لإنجلترا العراق وفلسطين وغيرهما من بلاد العرب، ويكون لفرنسا سوريا ولبنان . وكانت الثورة العربية قد نشبت في الحجاز بقيادة شريف مكة المرحوم الحسين بن علي على إثر العهود التي قطعتها بريطانيا باستقلال العرب واستغلها الإنجليز وحلفاؤهم أيما استغلال .

فلما افتضح سر معاهدة سايكس – بيكو وحصلت الحكومة الألمانية على نصوصها سارعت بإرسالها إلى حليفتها الدولة العثمانية، وهذه أرسلتها إلى الأمير فيصل بن الحسين "الملك فيصل بعدئذ" فأرسلها إلى والده الملك حسين مع رسالة خلاصتها : الآن وقد ظهر خداع الحلفاء ولم يبق مجال الثقة بعهودهم فإن الدولة العثمانية تتعهد إرضاء للعرب بإقامة دولة تركية عربية متحدة . وكان الأمير فيصل في ذلك الحين يميل إلى قبول حل كهذا . ولكن النتيجة كانت إرسال هذه الرسائل إلى الإنجليز مع الاستيضاح عن حقيقة الأمر . وشعر الإنجليز بغضب العرب لغدرهم بهم، وخشوا أن يعقدوا مع الأتراك صلحاً منفرداً ، فأوفدت وزارة الخارجية البريطانية المستر "هوغارت" مبعوثاً خاصاً إلى الحجاز لتهدئة روع العرب وإقناعهم بأن ما أذيع حول المعاهدات السرية ليس صحيحاً، كما بادرت وزارة الخارجية البريطانية إلى إرسال برقية مطمئنة تنفي فيها صحة الخبر وتؤكد فيها عهودها السابقة بتحرير البلاد العربية واستقلاها، وقد حملها إلى الملك حسين ، الكولونيل "باست" نائب المتعمد البريطاني في جدة وهي مؤرخة في 8 فبراير 1918م .

بلفور يقطع عهدين متناقضين :

فهذه البرقية المرسلة من وزارة الخارجية البريطانية لها أهمية خاصة لأنها جاءت مؤكدة لعهودها بعد ظهور معاهدة سايكس – بيكو ولأنها صادرة عن وزير الخارجية اللورد بلفور الذي هو نفسه صاحب التصريح المعروف بتصريح بلفور، وبذلك يكون بلفور قد قطع عهدين متناقضين أحدهما لليهود في 2 نوفمبر 1917 والآخر للعرب في 8 فبراير سنة 1918م .

عرب فلسطين يثيرون القضية أمام لجنة التحقيق :

ولم يكن أمر هذه البرقية شائعاً إلى أن نشبت ثورة فلسطين عام 1929 بسبب عدوان اليهود على مكان البراق النبوي في السور الغربي للمسجد الأقصى في القدس، فلما صد العرب عدوان اليهود وهزموهم وجاء الإنجليز بلجنة "شو" للتحقيق، وجد عرب فلسطين أن الفرصة قد سنحت لإثارة قضيتهم وإظهار أهمية العهود المقطوعة من إنجلترا للأمة العربية .

برقيتي وكتابي إلى الملك حسين وجوابه عليهما :

فأبرقت إلى المرحوم الملك حسين الذي كان حينئذ منفياً في جزيرة قبرص ثم أرسلت إليه كتابا رجوته فيه أن يتفضل بإرسال كل ما يحتفظ به من عهود ووثائق للإفادة منها أمام لجنة التحقيق البريطانية فرد علي جلالته برقياً بالإيجاب ثم شفع برقيته بكتاب منه مؤرخ في 30 جمادي الآخرة سنة 1348 صادر عن مدينة نيقوسيا بقبرص حيث كان يقيم ، وأرفق بكتابه صورة فوتوغرافية لبرقية اللورد بلفور، الذي كان وزيراً للخارجية البريطانية حينئذ، والتي حملها إليه الكولونيل باست، ولغيرها من الوثائق والمستندات . وفيما يلي صورة كتاب المرحوم الملك حسين إلى ، ونص كتاب الكولونيل باست المشتمل على برقية اللورد بلفور :

ثم كتبت إلى المرحوم الملك حسين كتاباً آخر بتاريخ 15 رجب 1348 (الموافق 26 ديسمبر1929) رجوته فيه أن يتفضل بإرسال بيانات وتفصيلات أخرى. فأجابني رحمه الله بكتاب آخر مؤرخ في 23 رجب 1348 أرفق به صور المراسلات التي دارت بينه وبين السر هنري مكماهون بشأن استقلال البلاد العربية وتوكيد الإنجليز لهذا الاستقلال الذي حنثوا بعهودهم المقطوعة بشأنه ولا سيما ما كان منها متعلقاً بفلسطين .

العبرة في مادة الملك حسين :

وعلى ذكر قبرص التي نفي الإنجليز الملك حسيناً إليها، أورد القصة التالية ففيها عبرة وذكرى لأولي الألباب :

حينما قطع الإنجليز عهودهم المعروفة بعهود مكماهون للملك حسين كان السر رونالد ستورس مستشاراً شرقيا في دار المعتمد البريطاني بقصر الدوبارة بالقاهرة، وكان هو الذي تولى نقل أكثر المخابرات بين مكماهون والملك حسين، فتظاهر بالإخلاص للملك حسين وتصنع الصداقة الوثقي له ، وكان يطلق عليه في مكاتباته ومخاطباته لقب صاحب الجلالة ملك العرب، ويعده ويمنيه، فلما انتهت الحرب وألح الملك حسين مطالباً بتنفيذ العهود التي قطعت له قامت مشادة بينه وبين الإنجليز وانتهى الأمر بجعله منفياً إلى جزيرة قبرص على ظهر سفينة حربية إنجليزية ، وإذا به يلقى ستورس حكاماً عليها، فلبث فيها بضع سنين لقي فيها من قسوة الإنجليز عامة ومن هذا الصديق القديم المزعوم خاصة ومن سوء معاملته ما لا يتسع المجال لبسطه، وقد سمعت طرفاً منه من المرحوم الملك حسين نفسه لما عاد من قبرص إلى عمان مريضاً عام 1932م . كما ذكر لي خلال مرضه الأخير هذا ، خيبة آماله في عهود المستعمرين ووعودهم وإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار .

مقارنة بين عهد عمر وعهد الإنجليز:

دخل الإنجليز القدس في 9 ديسمبر عام 1917 بقيادة الجنرال اللنبي متأبطين شراً ، متأبطين وعد بلفور المقطوع لليهود في 2 نوفمبر 1917م غير آبهين لوعود دولتهم التي قطعها مكماهون للعرب عام 1916م ولا بوعد بلفور المقطوع للعرب أيضاً عام 1918م فما كادت أقدامهم تتوطد في فلسطين حتى شرعوا في فتح أبوابها لهجرة يهودية واسعة النطاق .

ومن الطرائف التاريخية أن العرب عندما جاءوا القدس فاتحين عام 15 للهجرة ، قطع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عهده المشهور للبطريرك صفرونيوس – الذي كان يمثل نصارى القدس – الذي أمنهم فيه على جميع حقوقهم الشرعية وألقى فيهم خطبة افتتحها بقوله : "يا أهل إيلياء (القدس) لكم ما لنا وعليكم ما علينا" واشتمل عهده لهم على أن لا يسكن معهم في القدس أحد من اليهود وفقاً لطلبهم ، ووقع ذلك العهد وأشهد عليه كبار قواده، وظل ذلك العهد مرعياً نافذاً بكل دقة وإخلاص نحو ثلاثة عشر قرناً . وهو محفوظ إلى يومنا هذا لدى السلطات الدينية الأرثوذكسية لكنسية القبر المقدس في القدس . وظل أجدادنا محافظين على هذا العهد رغم توالي الأحداث وتقلب الزمان .

الإنجليز ينقضون عهودهم للعرب :

لكن الإنجليز نقضوا عهودهم للعرب ولما يجف مدادها، فما أعظم الفرق بين الفريقين ! وقد تولت إنجلترا الانتداب على فلسطين عملياً يوم احتلالها فلسطين وتمت المصادقة الرسمية على هذا الانتداب من عصبة الأمم في يوليو 1922 .

وقد فرض صك الانتداب على إنجلترا المحافظة على سكان البلاد وحفظ مصالحهم وحقوقهم. كما أن ملك بريطانيا وجه منشوراً إلى الفلسطينيين العرب عام 1930 جاء فيه ما يأتي :

"إن رغبتي هي أن أؤكد لكم أن العدل والبعد عن التحيز في أدق معانيهما سيكونان رائد حكومتي في عملها على احترام حقوق العناصر والمعتقدات التي تمثلونها"

جورج الملك – الإمبراطور :

لكن الحكومة الإنجليزية عملت لصالح اليهود فحسب ، وبذلت كل الجهود السياسية والاقتصادية والعسكرية لتقويض كيان العرب الذين اضطروا فيما بعد للقيام بثورات عديدة ذوداً عن حياتهم وطلباً لحريتهم ، فكانت إنجلترا ترسل لجان التحقيق لتخديرهم ثم تستأنف السير في سياستها الظالمة الغاشمة .

بريطانيا تغري اليهود :

واتضح أن بريطانيا هي التي كانت تغري اليهود بالهجرة إلى فلسطين ليكونوا أعواناً لها في سياستها الاستعمارية ، فقد حدث عندما نشر البلاشفة الوثائق والمستندات التي حصلوا عليها عندما استولوا على زمام الحكم في روسيا القيصرية ، إن كان بينها وثيقة ذات أهمية خاصة في الموضوع الذي نحن في صدده ، وبيانها أن السير إدوارد غراي الذي كان وزيراً لخارجية بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى، أرسل إلى السير جورج بيوكانان سفير بريطانيا في روسيا، برقية يطلب فيها منه أن يعرض على وزير خارجية روسيا "سازونوف" اقتراحاً بالعمل على تسهيل هجرة يهود روسيا إلى فلسطين وأن بريطانيا وفرنسا – متى وقعت فلسطين نتيجة الحرب في منطقة نفوذهما – تكفلان للشعب اليهودي مركزاً ممتازاً وتسهيلات في الهجرة والاستعمار وأن من رأي بريطانيا أن الاتفاق على تنفيذ هذا المشروع يكون إغراء شديداً لأكثرية اليهود ويؤدي إلى اكتساب العناصر اليهودية، في الشرق والولايات الأمريكية وغيرها، إلى جانب قضية الحلفاء . وقد أرسل السفير البريطاني في بتروغراد هذه البرقية في مذكرة منه مؤرخة في 13 مارس 1916م إلى وزير الخارجية الروسية ، ونشرتها جريدة "راسفت" Rasviet الروسية اليهودية التي تصدر في باريس بتاريخ 4 يناير سنة 1925 نقلا عن كتاب "اقتسام تركيا الآسيوية بحسب الوثائق السرية لوزارة الخارجية الذي نشرته القوميسارية السوفيتية للشئون الخارجية .

توجيهات حكومة لندن لموظفيها في فلسطين :

وكانت حكومة لندن المركزية توجه موظفيها البريطانيين توجيهاً خاصاً لتنفيذ المؤامرة اليهودية الاستعمارية ضد العرب . وإني لأذكر برهانا على ذلك (والبراهين كثيرة) ما رواه لي الأستاذ جورج انطونيوس – الذي كان في السابق من كبار موظفي حكومة فلسطين خلال عهد الانتداب- إنه حينما اشتدت ثورة عام 1936 وكان من أسبابها أن المندوب السامي الجنرال واكهوب فتح باب الهجرة لليهود على مصراعيه حتى بلغ عدد المهاجرين المسجلين رسمياً في عهده نحو مائتي ألف يهودي، هذا عدا المهاجرين السريين، فلما لامه انطونيوس على ذلك أجابه بقوله : ماذا أصنع ؟ . إن رئيس الوزراء مستر رامزي ما كدونالد حينما ودعته عند سفري إلى فلسطين لأتسلم زمام عملي قال لي : أبذل كل جهودك لاسترضاء اليهود، وأعمل كل ما تستطيع لمنع شكواهم . أما نصيحة وزير المستعمرات له حينئذ فكانت إرضاء اليهود بالسير وفق خطة إنشاء الوطن اليهودي، وإرضاء زعماء العرب بالاستجابة إلى مطالبهم الشخصية فقط، ولكنه كان يضيق ذرعاً ويحمر وجهه عندما يقابله الذين ليس لهم مصالح شخصية من العرب ويطالبونه بتحقيق المصلحة العربية العامة .

شهادة وزير المستعمرات للعرب :

يمثل هذا التوجيه في الإدارة ، وبالتفريق والإغراء والخداع حيناً، وأحياناً بالعنف والقسوة، وجه الإنجليز سياستهم في فلسطين وأخذوا الوطنيين العرب بالشدة وتوسلوا بالوسائل الوحشية ضد المجاهدين والمناضلين من أهل فلسطين بالقتل والتعذيب والإحراق بأسياخ الحديد المحماة، والإرغام على الجلوس فوق مواقد التدفئة المستعرة ، وفي داخل الثلاجات، وغير ذلك من وسائل البغي والعدوان والنهب والسلب . ورغم ذلك كله صمد الفلسطينيون وصبروا وصابروا وأبدوا من ضروب البسالة في قراع الاستعمار ومكافحة الغزوة اليهودية ما سجله لهم تاريخ الجهاد في صفحاته الخالدة، وما حمل وزير المستعمرات حينئذ مستر مالكولم ماكدونالد على التصريح في مجلس العموم البريطاني سنة 1938 عند البحث عن أسباب ودوافع ثورة عرب فلسطين معترفاً بأن ثورتهم وطنية صادقة وبريئة من الشوائب وأن التحقيقات الرسمية التي قامت بها الحكومة البريطانية أثبتت ذلك وأن الفلسطينيين قاموا بثورتهم اعتماداً على إيمانهم بقضيتهم ، وعلى بسالتهم رغم أن جميع أسلحتهم كانت من الأسلحة القديمة البالية .

بريطانيا تسلم فلسطين لليهود :

وقد أوجزت في حديث سابق حالة فلسطين عند الاحتلال البريطاني وكيف وقعت في مصيبة مزدوجة بين براثن بريطانيا الظالمة، وبين مخالب اليهودية العالمية الغاشمة، وكلتاهما لا تقيم للحق والعدل وزناً ولا تعرف للرحمة معنى . وقد مضت بريطانيا واليهود في تنفيذ خطة التهويد بسرعة عظيمة . ويؤخذ مما جاء في مذكرات وايزمان (أن اليهود اتفقوا مع بريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى وقبل احتلالهم لفلسطين على خطة التهويد، وأن إنجلترا وعدت بتسليم فلسطين لليهود خلال مدة تتراوح بين عشرة أعوام وخمسة عشر عاماً ولكن المقاومة العربية التي لم تكن متوقعة بهذه القوة حالت دون ذلك في المدة المحددة) .

تسخير الحكومة لتهويد فلسطين :

فبريطانيا التي تعهدت في بدء الاحتلال بإجراء العدل والمحافظة على مصالح أهل فلسطين المنصوص عليهما حتى في تصريح بلفور وصك الانتداب، عملت عكس هذا تماماً في كافة الشئون السياسية والاقتصادية والتشريعية والثقافية وغيرها، فاعترفت بالمنظمات اليهودية كالجمعية الصهيونية والوكالة اليهودية والكيرن كايمت والكيرن هابسود وغيرها وشجعتها وتعاونت معها على تنفيذ رغباتها بحجة أن المادة الثانية من صك الانتداب تنص على (وضع البلاد في حالات سياسية وإدارية واقتصادية تسهل إنشاء الوطن القومي لليهود) وسخرت جهاز الحكومة كله لتنفيذ هذه السياسة بسن القوانين والأنظمة الإدارية والقضائية والمالية التي تحقق أهداف اليهود، ولاسيما ما كان منها متعلقاً بالهجرة والأراضي والزراعة والتجار والاقتصاد والتعليم والأمن العام وغيرها .

وحكمت بريطانيا عرب فلسطين حكماً استعمارياً مباشراً في جليل الشئون وحقيرها حتى ضج بعض المنصفين من الإنجليز أنفسهم من تلك السياسة الجائرة .

وكان أول مندوب سام لبريطانيا على فلسطين يهودياً هو السير هربرت صموئيل ، كما أن النائب العام الذي بيده التشريع القضائي والسيطرة على المحاكم كان يهودياً وهو المستر تورمان بنتوبتش . وكان مدير دائرة المهاجرة والسفر (حاييمسون) يهودياً أيضاً، بالإضافة إلى كثير من كبار الموظفين اليهود في حكومة الانتداب الإنجليزية .

ومنحت بريطانيا اليهود معظم أراضي الدولة في فلسطين ومقداره نصف مليون دونم دون مقابل، كما منحتهم الامتياز باستغلال الكهرباء لكل فلسطين، وهو المعروف بامتياز روتنبرغ، وكذلك امتياز استثمار البحر الميت الذي قدر الخبراء ما فيه من الثروة بأربعة عشر مليارا من الجنيهات . وقد قال هربرت صموئيل الذي أصبح فيما بعد رئيساً لمجلس إدارة شركة البحر الميت، إن في هذا البحر من البوطاس والمعادن والثروة ما يزيد أضعافاً مضاعفة عما أنفقه كل من الحلفاء وخصومهم في الحرب العالمية الأولى . ومنحتهم أيضاً كثيراً من الامتيازات وفتحت لمهاجريهم أبواب فلسطين حتى رفعت عددهم من خمسين ألف يهودي في بدء الاحتلال إلى نحو سبعمائة ألف في عام 1947 أي أنها زادتهم نحو خمسة عشر ضعفاً خلال ثلاثين عاماً، وكانت هذه الزيادة على حساب العرب الذين أخرجوا من ديارهم وقوض كيانهم وهدمت مئات من مدنهم وقراهم، وبنتيجة هذه السياسة الظالمة أخرجت بريطانيا نحو مليون عربي من فلسطين وشردتهم في الآفاق ومكنت اليهود من الاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم وثرواتهم التي لا تقل عن ألفي مليون من الجنيهات وفق تقدير لجنة الخبراء الماليين التي ألفتها الهيئة العربية العليا لفلسطين .

أما المشروعات العربية فقد كان الإنجليز يقاومونها بمختلف الوسائل . وأذكر مثلاً على ذلك أنه لما عقد المؤتمر الإسلامي في القدس عام 1931 الذي شهدته صفوة مختارة من زعماء العالم الإسلامي، كان من جملة مقرراته إنشاء جامعة في القدس تجمع لها الأموال ويشتري بها أراض توقف عليها فيكون النفع بذلك مزدوجاً، وسافر لتحقيق هذه الغاية وفد من أعضاء المؤتمر إلى الهند كان من أعضائه الأستاذ السيد محمد علي علوبة، وعند وصولنا ألفنا لجنة من أعظم زعماء مسلمي الهند لجمع التبرعات وتبرع للمشروع نظام حيدر أباد بمليون روبية وتبرع سلطان البهرة وبعض جماعته بنصف مليون، وتعهد أمير بهو بال وغيره بمبالغ كبيرة، وكان نجاح الوفد باهراً وتوقع أن يجمع بضعة ملايين . ولكن إنجلترا التي كانت لها السيطرة على الهند سارعت إلى مقاومة المشروع وتمكنت من إحباطه فقد أعلني سكرتير اللجنة (فيروز خان نون) الذي كان يومئذ وزير معارف البنجاب أنه اطلع على تعليمات واردة من حكومة لندن إلى اللورد (ولنجتون) نائب الملك خلاصتها أن يعامل وفد المؤتمر الإسلامي بالاحترام والعناية الشخصية ، وأن يحال بكل الوسائل دون نجاح مهمته لأن من شأنها أن تعرقل سياسة حكومة جلالته في فلسطين. أي أن نجاح الوفد في جمع الأموال سيؤدي إلى إنقاذ أراضي فلسطين وسيزاحم اليهود في شرائها . وبالفعل فقد منع الإنجليز خروج الأموال من الهند وأحبطوا مهمة الوفد .

وصفوة القول أن إنجلترا اختطت في فلسطين خطة من الكيد والعسف والظلم لا مثيل لها، وخانت الأمانة بصفتها منتدبة من قبل عصبة الأمم ومسئولة عن صالح أهل فلسطين والمحافظة على كيانهم وصيانة حقوقهم. ولئن عجزنا اليوم عن سوقها إلى محكمة عدل دولية منصفة فإن الله العادل القهار سيحكم على الظالمين حكماً عادلاً يزعزع أركانهم ويقوض بنيانهم. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

هناك تعليقان (2):

الفاتح الجعفري يقول...

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
بارك الله فيك يابشمهندس
ونعم والله ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار
تاريخ احتلال فلسطين تاريخ مأسوي فعلا يجب علي كل افراد الامة دراسته وتحليله واستيعابه جيدا لان ما يحدث قديما يحدث الان المؤامرات والضغائن والضعف والذل والخيانات المستمرة لم تتغير فقط تتغير الاشخاص والباقي كما هو
الشريف حسين من اكثر الملوك التي ابغض هو وعائلته وللاسف كان احد عوامل السقوط المريع للامة من اجل اهدافه ومصالحة الشخصية فدفع الثمن غاليا ولم ينل هو اي شيء الا الذل و السوء
اما انجلترا فتاريخها طويل جدا من المؤامرات والاحتلال والظلم الطويل وهي التي وضعت غرس اليهود الشيطاني في فلسطين
--
حفظك الله يابشمهندس علي هذه المعلومات الغاية في الاهمية
وجزاكم الله كل خير

مهندس مصري يقول...

الفاتح الجعفري
==============
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
و بارك فيك يا غالي
معاك حق في بغضه
فطبقاً للوثائق الإسرائيلية التي تم كشفها بعد انتهاء مدة سريتها
اجتمع الملك عبد الله بجولدا مائير مديرة الوكالة اليهودية ايامها في نهاية 1947 و عقد معها اتفاقاً بأن لا يتجاوز جيش الاردن حدود الجزء العربي طبقاً لأمر التقسيم الصادر من الأمم المتحدة و هو ما إلتزم به طوال حرب 1948 رغم عدم إلتزام اليهود به