الأربعاء، ديسمبر 23، 2009

إبراهيم عيسى يكتب: مدام أمستردام ومدام عين الصيرة!

إبراهيم عيسى يكتب: مدام أمستردام ومدام عين الصيرة!

قراءة في تقرير النجار

المشكلة أن محدود الدخل في مصر رجل طيب وغلبان وماشي جنب الحيط ويخاف يدخل قسم شرطة وصوته واطي هذا إذا سمعت له صوتا أصلا، وينحني أمام الكبار ويرضي بقليله ويحب الرئيس أيا كان الرئيس لأنه يتصور أن الرئيس في مصر مثل الريح والمطر والعواصف والشمس والقمر قدر وظواهر طبيعية من عند ربنا لا يمكن مقاومتها ولا تغييرها، ومشكلة محدود الدخل أنه محدود المعارف ومحدود الاهتمامات ومحدود الحدود، مركز في لقمة عيشه ينط من أتوبيس لميكروباص ومن ميكروباص لمترو حتي يصل عمله ويرجع لبيته، مغموسًا في الشقاء والغلب وأجمل لحظات حياته هي فوز الأهلي والمنتخب وشايف إن كرسي معسل أهم من كرسي الرئاسة وإن شغل السياسة بتاع الناس الكبيرة المهمة مش الناس اللي زيه صغيرين قوي لو شفتهم من فوق ومش باينين خالص لو شفتهم من تحت، وبيفرح قوي لما يكون فيه وقفة احتجاجية في الشغل عشان يرفع لافتة تطالب الرئيس أو نجله بالتدخل لحل مشكلة العلاوة وصرف الحوافز وبالمرة تتفرج عليه الست حرمه في العاشرة مساء أو تسعين دقيقة لما يصوروا الوقفة، ثم إن أعلي درجات طموحه هي تغيير شريحة الموبايل أو شراء خط لابنته بدل ما كل ما يتصل بها كي يطمئن عليها في مجموعة الدرس تقوله إن الكارت فصل، ولهذا كله فمحدود الدخل هو أبرز من يتلقي ضربا علي قفاه في بلدنا!

صحيح أنه كلما تحدث المسئولون في مصر بدءا من الرئيس مبارك وحتي أصغر رئيس لجنة في الحزب الوطني مرورا طبعا بالرئيس التنفيذي لمصر النجل جمال مبارك فإن كلا منهم يتكلم عن محدود الدخل كأنه ابن عمته أو جاره في عزبة النخل، بينما جوهر الحقيقة أن نظام الحكم المصري يسحق عظم هذا الغافل النائم علي روحه محدود الدخل!

الأكذوبة الكبري التي يلجأ إليها حكامنا المليونيرات والمليارديرات هي أنهم يضعون في أولوياتهم وسياستهم وبرنامج رئيسهم مصلحة محدود الدخل وهذا كذب وجها وقفا، طولا وعرضا، هذه النغمة المقيتة التي يكررها كل لحن رتيب من أغاني السادة المسئولين التي تزعم وتدعي أنها لخدمة مصالح محدود الدخل تنكشف عارا وعوارا عندما تندلق من أفواههم أرقامًا مزورة ومزيفة يستهدفون بها إقناعنا بسياستهم الحكيمة وحكومتهم الرشيدة!

هؤلاء يحترفون الهجوم بالأرقام، يضحكون بها علينا وعلي أنفسهم وعلي رؤسائهم، وهم يلتزمون في هذا الهجوم الرقمي بـ:

1- زحام الأرقام وتعددها وكثرتها بحيث يغمي عليك لو ركزت فيها.

2- الحماس في إلقائها والابتسام في إعلانها والتفخيم والتضخيم في ترديدها.

3- انتظار التصفيق بعد كل رقم وهزة رأس الرضا بعد كل نسبة مئوية.

4- تنفيذ الهجوم في الاحتفالات العامة والمؤتمرات الكبيرة بحيث لا تسمح المناسبة بالمناقشة ولا الاستفسار ولا التفسير.

5- كتابة الأرقام والإحصائيات في مقالات مطولة بعناوين احتفالية حيث يضمنون أن لا أحد يقرأ التفاصيل ولا يركز في الأرقام وإن ركز لا يفهم وإن فهم لا يدرك وإن أدرك لا يملك طاقة ليشرح لأحد.

6- التكرار الدائم لرقم مع التداول الواسع والإلحاح اليومي علي نسبة مئوية (معدل النمو مثلا!!)

7- اتهام أي خبير يناقشهم بأنه مغرض والتعريض بأي سياسي يعارضهم بأنه حاقد والسخرية من كل اقتصادي يفندهم بأنه مش فاهم.

هذه الحيل تنجح نجاحا ساحقا مع الساحة المصرية المنقسمة بين عدة دوائر:

الأولي: غير مهتمة ولا مبالية بحكاية الأرقام ولا هي هنا أصلا وهذه هي دائرة الجماهير الواسعة جدا والأغلبية الصامتة والخرساء والمثرثرة والرغاية كذلك!

الثانية:منافقة ومستعدة للتهليل بصرف النظر عن الأرقام نفسها حلوة ولا وحشة، صادقة أم كاذبة فهذه تعمل بالزمبلك وهي دائرة الإعلام الحكومي والخاص الفضائي والأرضي وتحت الأرض وفي بير السلم.

الثالثة:مش في دماغها ولا متابعة ولا دارسة الأرقام لكنها معنية ومن ثم ممكن يخيل عليها شغل الحكومة وممكن كمان تتأثر بكلام المعارضة وهذه دائرة الشباب الذي يعيش علي الحدود بين الاهتمام وشراء الدماغ وبين الانخراط في النشاط أو التخريط في القتة المحلولة!

الرابعة:نخبة محدودة فاهمة وعارفة وهي فئة أساتذة الجامعات والباحثين وهي إما مدلسة ومنافقة وإما زاهدة نافقة وإما رافضة ساخطة مغلقة علي ذاتها ونفسها!

كويس..

ما مناسبة كل هذا الكلام؟

أبداً

مناسبة سعيدة..فقد صدر منذ أيام تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية لعام 2009 عن مركز الأهرام وهو التقرير السنوي الذي يرأس تحريره الخبير الفذ أحمد السيد النجار، وهو من ثلة نادرة وسلالة منقرضة من المثقفين المصريين فيجمع بين كونه عالما كبيرا وكونه متفاعلا مع واقعه ومجتمعه، وبين قدرته الرائعة علي الدأب والإخلاص لبحوثه وبين قوته في ملاحقة الأكاذيب الرقمية ومداهمة خفايا الخبايا الإحصائية التي يزور بها النظام إنجازاته الرقمية!

مثلا ها هو التقرير يكشف لنا حقيقة أن فقراء مصر ومحدودي دخلها هم الذين يصرفون علي البلد ويمولون الخزينة وينفقون علي مليونيرات ومليارديرات مصاصي دماء ثروة مصر فيقول أحمد السيد النجار، لا حرمنا الله من منشاره:

(تشير بيانات الموازنة العامة للدولة للعام 2009/2010، إلي أنه من المتوقع أن تبلغ الإيرادات العامة للدولة، نحو 224.9 مليار جنيه، مقارنة بنحو 289.7 مليار جنيه في العام الماضي. أي أن الإيرادات العامة ستتراجع بمقدار 64.8 مليار جنيه، بنسبة 22.4%.

وإذا نظرنا إلي مصدر الإيرادات المتوقعة فسنجد أن الجانب الأعظم منها مأخوذ من الفقراء والطبقة الوسطي بصورة مباشرة أو من ممتلكات وموارد عامة، هم أصحاب الغالبية الساحقة من الحقوق فيها. وتشير بيانات مشروع الموازنة إلي أن الضرائب غير المباشرة المفروضة علي استهلاك السلع والخدمات، والضرائب علي الإنتاج التي يتم تحميل قيمتها علي أسعار السلع والخدمات أيضا، والرسوم الجمركية، تبلغ في مجموعها 75.4 مليار جنيه. وبما أن الطبقة العليا في مصر كما في أي دولة رأسمالية متخلفة أو نامية أو متقدمة، تشكل نسبة محدودة أو حتي هامشية في بعض الحالات، من السكان، فإن استهلاكها من السلع والخدمات حتي لو كان ترفياً أو سفيهاً ويبلغ أضعاف حصتها من السكان، يمثل في النهاية، نسبة أقلية من إجمالي استهلاك السلع والخدمات. وبالتالي فإن الضرائب غير المباشرة علي السلع والخدمات والرسوم الجمركية، هي ضرائب تتحملها الطبقة الوسطي والفقراء بصورة أساسية.

أما الضرائب علي الدخول والأرباح الرأسمالية والبالغة 58.7 مليار جنيه، فإن 9.8 مليار جنيه منها، عبارة عن ضرائب علي الدخول من التوظيف، أي ضرائب يدفعها الموظفون وهم إما فقراء أو ينتمون للطبقة الوسطي من ناحية الدخل، ومصيبتهم أن وعاءهم الضريبي واضح وهو مرتباتهم وما في حكمها من مكافآت وحوافز وبدلات وعمولات، ويتم اقتطاع الضريبة منه من المنبع بسهولة. وهناك 4.7 مليار جنيه من الضرائب علي الدخول يتم تحصيلها من أصحاب المهن غير التجارية والنشاط التجاري والصناعي، وجزء كبير من هذه الحصيلة يأتي من الطبقة الوسطي من المهنيين وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

أما الضريبة علي أرباح شركات الأموال والمقدرة بنحو 44.2 مليار جنيه، فإن 27.5 مليار جنيه منها يعود إلي هيئة البترول والشريك الأجنبي وقناة السويس. وبما أن الهيئة العامة للبترول وهيئة قناة السويس مملوكتان للأمة، أي لكل المواطنين علي قدم المساواة، فإن الإيرادات المتأتية من الضرائب علي أرباحهما هي أيضا حصيلة متأتية من حقوق مملوكة للفقراء والطبقة الوسطي بصورة شبه كاملة. أما الجزء الباقي من الضرائب علي أرباح شركات الأموال، فإنه يتم تحصيله من كل الشركات العامة المملوكة للأمة وللفقراء والطبقة الوسطي أساساً، والشركات الخاصة التي يتفنن جزء كبير منها وبالذات الشركات الكبري في إظهار نتائج أعمالها وأرباحها أقل من الحقيقة بكثير للتهرب من دفع حقوق الدولة والمجتمع عليهم، رغم كل الامتيازات التي تعطيها الدولة لهم، ورغم أنهم المستفيد الأكبر من الإنفاق علي البنية الأساسية ومن دعم الكهرباء والمنتجات النفطية والغاز ودعم الصادرات، ورغم أن معدل الضريبة علي دخولهم وأرباحهم بالغ التدني بالمقارنة مع الضرائب المناظرة المفروضة علي الشريحة العليا من الدخول في كل العالم.

شفت الجمال والحلاوة، شفت القرطسة واصلة لغاية فين؟

لغاية إن محدود الدخل هو الذي يصرف علي مفتوح الدخل!

لحم أكتاف مصر من فقرائها ومحدودي دخلها وليس أبدا من مليونيراتها ومليارديراتها من حكام مصر المنحوسة بهم، ليس هذا فقط بل تعال لأحمد السيد النجار يا حبيبي وقرة عين حكومتك وهو يحلل قيمة ونسب الضرائب الشر بره وبعيد، فيقول لا فض فوه (وإذا كان معدل الضريبة علي الشريحة العليا من الدخل، يبلغ 20% في مصر، فإن بيانات البنك الدولي تشير إلي أن معدل الضريبة علي الشريحة العليا من الدخل الفردي، قد بلغ 52% في هولندا، و50% في بلجيكا، و50% في النمسا و48% في فرنسا، و47% في أستراليا، و45% في الصين التي تعد أكبر دولة جاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة الحقيقية، و42% في ألمانيا، و42% في البرتغال، و40% في بريطانيا، و40% في فيتنام، و37% في تايلاند، و35% في الولايات المتحدة، و35% في تركيا، و35% في باكستان، و30% في الهند.

و«الطريف» أن أقصي معدل للضريبة علي الدخل في مصر والبالغ 20%، يطبق علي الدخول التي تبدأ من 40 ألف جنيه في العام، إلي ما شاء الله، أي أنه يطبق علي الطبقة الوسطي والعليا معا دون أي تصاعد أو تدرج. ومن الواضح تماماً أن هذا المعدل، هو تحيز سافر للطبقة العليا، في نظام ضريبي يفتقد لأبسط قواعد العدالة المتعارف عليها في النظم الضريبية الرأسمالية المتقدمة والنامية والمتخلفة علي حد سواء. وإذا كانت السلطات التشريعية والتنفيذية في مصر، تريد بالفعل السيطرة علي عجز الموازنة العامة للدولة، فلابد من تنشيط حصيلة الضرائب من الطبقة العليا من خلال تطبيق ضريبة تصاعدية تتناسب مع تصاعد دخول من تفرض عليهم، أو بتعبير آخر تتناسب مع المقدرة التكليفية للممولين.

معني هذا يا سادة أن هذه الدولة بتستهبل رسمي نظمي لمعي بحيث تجعل الرجل صاحب أربعين ألف جنيه في السنة يدفع قرابة ربع دخله ضرائب تماما مثل صاحب الدخل مليار جنيه في السنة! لتصبح مصر جنة ضرائب الأغنياء وجحيم ضرائب المستورين ومحدودي الدخل!

وهناك بقي الكذب الذي يمشي علي رجلين ويقف ويقعد ويجري كمان قدام أعيننا في معجزة مصرية في الكذب، وهي حكاية الدعم حيث يجلجل السادة المسئولون بأنهم يدعمون اللي خلفونا وإنه كفاية بس الدعم اللي بيدفعوه للفقراء كأنهم بيدفعوه من جيب سعادة والد أحدهم أو خالة حضرتهم، ولكن المفاجأة فعلا في أن دعمهم ده ولا حاجة ولا يسوي ولا يساوي، حيث يقول لنا تقرير النجار: (وإذا كانت مخصصات الدعم والتحويلات سوف تبلغ نحو 73.4 مليار جنيه، تشكل نحو 6.2% من الناتج المحلي الإجمالي، يعد من أدني المستويات في العالم، حيث تشير بيانات البنك الدولي في تقريره عن مؤشرات التنمية في العالم عام 2008، إلي أن مخصصات الدعم والتحويلات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، بلغت نحو 33.2%، 32.7%، 25.1%، 24.9%، 24.2%، 13%، في كل من هولندا، وبلجيكا، وألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا، والولايات المتحدة بالترتيب. ) شفت كام؟ قرأت بنفسك! ارفع النظارة وبص تاني، أيوه هولندا تدعم شعبها وفقراء هولندا يعني أي مدام في أمستردام فقيرة تحصل مع شعب هولندا الشقيق علي 33في المائة دعما بينما فقراء مصر وأي مدام في عين الصيرة وكفر أبو بطاطا حظها من الدعم ستة في المائة وتقولوا بتدعموا يا حكومة برتو مارينا وبرتو غالب لأ وإيه كمان بورتو السخنة!!

ليس هذا فقط من أمثلة سحق الفقراء، فيه أكثر وأسوأ وأسود، يكتب أحمد السيد النجار (تراجعت مساهمات الدولة في صناديق المعاشات بصورة هائلة، لتبلغ 5 مليارات جنيه وفقا لتقديرات الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2009/2010، مقارنة بنحو 30.2 مليار جنيه في العام المالي الماضي، بنسبة انخفاض قدرها 83.4%. (يا نهار أرندلي، كل هذا انخفاض،!!) وهذا التراجع سوف يؤثر سلبيا في أرباب المعاشات وغالبيتهم الساحقة من الفقراء أو الفقراء بصورة مدقعة، علما بأن مساهمات الدولة في صناديق المعاشات ليست منحة، بل هي حقوق للعاملين باعتبارها مساهمات رب العمل. كما أن الدولة استمرت لسنوات طويلة تستثمر أموال التأمينات علي المعاشات دون دفع فائدة عنها، ثم بدفع فائدة زهيدة للغاية وهذا يعني أن مساهمات الدولة في صناديق المعاشات، هي جزء يسير من حقوقهم التي استولت عليها الدولة دون وجه حق لسنوات طويلة، تاركة إياهم يعيشون بمعاشات زهيدة تجعلهم في وضع معيشي بائس. أما تخفيض هذه المساهمات، فإنه تحيز سافر ضدهم يهدد بتزايد مساحة الفقر وضراوته بين من خدموا الدولة).

هذا تقرير يصفعنا كلنا ضربا وركلا وتشليتا!

الدولة المستبدة الكذابة

ومصاصو دماء ثروة مصر

وساحقو عظام الفقراء

والفقراء التعساء ومحدودو الدخل الأتعس الذين يسكتون علي هذه المساخر والمهازل

وهو تقرير يفضح كذلك الشياطين الخرس الذين يعرفون ويسكتون عن الحق ويقولون لك إن الحق علينا إحنا!!

هناك 4 تعليقات:

الشجرة الأم يقول...

كل أموال الدنيا الفانية ستزول بإذن الله بلمح البصر .. والواحد لن سيأخذ معه غير عمله.

بارك الله فيك ونفع الله بك الأمة الإسلامية العربية.

واحد من العمال يقول...

السلام عليكم
ابراهيم عيسى كلامه صحيح وحاسينه كلنا فى مصر
بصراحه الدوله أوالحكومه أو حتى النظام
أفلس من زمان
وكلما زادت الضرائب
نعرف على طول ان الفلس بيزيد
ياراجل ده عملوا ضرائب على سكنك واللى جايه على السَكِينه
وربنا يشفى

ودمت بخير حال

مهندس مصري يقول...

الشجرة الأم
==========
أشكرك

واحد من العمال
===============
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
ربنا يآخدهم

فتاه من الصعيد يقول...

نقول ايه بس

الناس جابت جاز خلاص

تحياتي