الثلاثاء، فبراير 24، 2009

وثيقة تفكيك إسرائيل - إسرائيل كيان غير شرعي

r3gwk4z8v5.jpg


ارجو من الجميع التوقيع على وثيقة تفكيك اسرائيل
و اللي اشترك في عملها بعض المدونين العرب
هنا الوثيقة
بالعربي
وهنا كمان بالانجليزي
الوثيقة مستندة على
1- التعريف العالمي للدولة
2- الميثاق العالمي لحقوق الانسان
3- العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية
4- العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
وبتثبت من خلال المواثيق الدولية دي ان الكيان الاستيطاني العنصري القائم على الفكر الصهيوني الموجود المسمى باسرائيل لا ينطبق عليه شروط الدولة ولا يلتزم باي من المواثيق او القوانين الدولية وعليه فيجب تفكيكه،
اذا سمحتوا اقروا الوثيقة واذا عجبتكم وقعوا عليها النسختين العربي والانجليزي
و ده شئ بسيط و ممكن تعتبروه خطوة أولى لتفكيك الكيان الغريب ده
ملحوظة تانية، عايزين حد بيعرف يعمل بانرات يعمل لنا بانر للحملة دي

و ده نص الوثيقة على مدونة الهولوكوست الجديد بالعربي و بالإنجليزي
و ياريت تنشروا الوثيقة دي في كل مكان علشان عايزين أكبر عدد ممكن من البشر في جميع انحاء العالم يقرأها و يقتنع بيها و يوقع عليها

الأحد، فبراير 22، 2009

من هو الحاج أمين الحسيني ؟




أمين الحسيني
كان الحاج أمين الحسيني هو أشهر من تولى منصب الإفتاء في فلسطين وكان في الوقت نفسه رئيس المجلس الإسلامي الأعلى ورئيس العلماء، وظل يلعب دورا مهما في الصراع العربي الإسرائيلي خاصة في سنواته الأولى أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. وقد ولد في القدس وقضى شطرا من حياته مهاجرا في العديد من العواصم العربية والغربية ثم توفي في لبنان ودفن فيها.

الميلاد والنشأة
ولد محمد أمين الحسيني في القدس عام 1895 لأسرة ميسورة، كان والده يهتم بالعلم ويحرص على أن يلتحق أولاده بأشهر المدارس والمعاهد العلمية في عهده.

التعليم
تلقى تعليمه الأولي في القدس بإحدى مدارسها واختار له والده عددا من العلماء والأدباء لإعطائه دروسا خصوصية في البيت, ثم التحق بكلية الفرير بالقدس لتعلم اللغة الفرنسية وبعد قضاء عامين بها التحق بالجامع الأزهر في القاهرة وخلال دراسته بالأزهر أدى فريضة الحج مع أهله فأطلق عليه لقب الحاج الذي لازمه طوال حياته. وكان لدراسته في مصر وتعرفه على قادة الحركة الوطنية آنذاك أثر في اهتمامه المبكر بالسياسة. وفي عام 1915 التحق بالكلية الحربية بإسطنبول التي تخرج فيها برتبة ضابط صف.

التوجهات الفكرية
نادى الحاج أمين الحسيني بوجوب محاربة الحكم البريطاني والتسلل الصهيوني لفلسطين. وكانت له آراء في تنظيم أمور القضاء والمحاكم الشرعية، وأخذ يعمل على تقوية المدارس الإسلامية ودائرة الأوقاف واجتهد في إنشاء مجلس إسلامي شرعي لفلسطين وحدد صلاحياته ومسؤولياته. كما نادى بوجوب اعتبار قضية فلسطين قضية العرب كلهم وقضية العالم الإسلامي. وكان شديدا في مواجهته لسماسرة بيع الأراضي والعقارات الفلسطينية إلى اليهود واعتبر من يقومون بعمليات البيع هذه خارجين عن الدين الإسلامي ولا يجوز الصلاة عليهم ولا دفنهم في مقابر المسلمين.

حياته السياسية
التحق الحاج الحسيني بالجيش العثماني لكنه بعد مدة قصيرة آثر العمل سرا مع الثورة العربية فانضم إلى لوائي القدس والخليل، ثم انضم إلى جيش الشريف حسين بن علي بهدف إقامة دولة عربية مستقلة وذلك إبان الحرب العالمية الأولى.

الكفاح ضد اليهود والبريطانيين
عقب صدور وعد بلفور عام 1917 قرر الحسيني العودة إلى القدس وبدأ الكفاح ضد الوجود اليهودي والبريطاني هناك، فأنشأ عام 1918 أول منظمة سياسية في تاريخ فلسطين الحديث وهي "النادي العربي" الذي عمل على تنظيم مظاهرات في القدس عامي 1918 و1919، وعقد في تلك الفترة المؤتمر العربي الفلسطيني الأول هناك.

الهروب إلى الكرك ودمشق
تسببت تلك المظاهرات باعتقاله عام 1920، لكنه استطاع الهرب إلى الكرك بجنوب الأردن ومنها إلى دمشق، فأصدرت الحكومة البريطانية عليه حكما غيابيا بالسجن 15 عاما، لكنها عادت وأسقطت الحكم في العام نفسه بعد أن حلت إدارة مدنية برئاسة هربرت صموئيل محل الإدارة العسكرية في القدس، فعاد إليها مرة أخرى.

مفتي القدس
انتخب مفتيا عاما للقدس عقب وفاة كامل الحسيني المفتي السابق، فأنشأ المجلس الإسلامي الأعلى للإشراف على مصالح المسلمين في فلسطين، وعقد المجلس في المسجد الأقصى مؤتمرا كبيرا عام 1931 سمي المؤتمر الإسلامي الأول حضره مندوبون من مختلف البلدان العربية والإسلامية.

وأصدر الحسيني فتوى اعتبرت من يبيعون أرضهم لليهود والسماسرة الذين يسهلون هذه العملية خارجين عن الدين الإسلامي ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين. ونشط الحاج أمين في شراء الأراضي المهددة بالانتقال إلى أيدي اليهود وضمها إلى الأوقاف الإسلامية.

المرحلة السرية
رأى الحسيني أن الشعب الفلسطيني لم يكن مؤهلا لخوض معركة عسكرية بطريقة حديثة، فأيد الجهود السياسية لحل القضية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه كان يعمل بطريقة سرية لتكوين خلايا عسكرية اعتبرت النواة الأولى التي شكل منها عبد القادر الحسيني فيما بعد جيش الجهاد المقدس.

الهيئة العربية العليا
عقب استشهاد عز الدين القسام عام 1935 اختير الحسيني رئيسا للهيئة العربية العليا التي أنشئت في العام نفسه، وضمت مختلف التيارات السياسية الفلسطينية، وكان له دور بارز في ثورة 1936 عن طريق تسهيل دخول المتطوعين الذين وفدوا للدفاع عن فلسطين من مختلف البلدان العربية.

الاحتماء بالحرم
رفض الحسيني مشروع تقسيم فلسطين بين العرب واليهود الذي طرح في يونيو/حزيران 1937 وقاومه بشدة، فعملت السلطات البريطانية على اعتقاله، لكنه التجأ إلى الحرم القدسي الشريف فخشيت بريطانيا من اقتحام الحرم حتى لا تثير مشاعر الغضب لدى العالم الإسلامي، فظل الحسيني يمارس دوره في مناهضة الاحتلال من داخل الحرم.

الهرب إلى لبنان
وبعد اغتيال حاكم اللواء الشمالي إندروز أصدر المندوب السامي البريطاني قرارا بإقالة المفتي أمين الحسيني من منصبه واعتباره المسؤول عن الإرهاب الذي يتعرض له الجنود البريطانيون في فلسطين. واجتهدت السلطات البريطانية في القبض عليه لكنه استطاع الهرب إلى يافا ثم إلى لبنان بمركب شراعي، فقبضت عليه السلطات الفرنسية لكنها لم تسلمه إلى بريطانيا، وظل في لبنان يمارس نشاطه السياسي.

الهرب من لبنان
واضطر للهرب من لبنان مرة أخرى بعد التقارب الفرنسي البريطاني، فتنقل بين عدة عواصم عربية وغربية، وصل أولا إلى العراق ولحق به بعض المجاهدين، وهناك أيد ثورة رشيد عالي الكيلاني، ثم اضطر لمغادرتها بعد فشل الثورة فسافر إلى تركيا ومنها إلى بلغاريا ثم ألمانيا التي مكث فيها أربعة أعوام.

منظمة الشباب الفلسطيني
طالبت بعض الدول الأوروبية بمحاكمته على أنه مجرم حرب ومن مؤيدي النازية، وضيقت الخناق عليه فاضطر للهرب إلى مصر ليقود من هناك الهيئة العربية العليا مرة أخرى، وليعمل على تدعيم جيش الجهاد المقدس، وتولى مهمة التجهيز والتنسيق والإمداد للمجاهدين. وهناك أنشأ منظمة الشباب الفلسطيني التي انصهرت فيها منظمات الكشافة والجوالة لتدريبهم على السلاح.

تحت الإقامة الجبرية
أوعزت الحكومة البريطانية إلى الملك فاروق لإعطاء أوامره بفرض الإقامة الجبرية
عليه في منزله بعد النكبة الكبرى عام 1948 وشددت عليه الرقابة. وظل على تلك الحال إلى أن اندلعت ثورة 1952 في مصر.

التعاون مع ثورة 1952
تعاون الحسيني مع قادة الثورة في نقل الأسلحة سرا إلى سيناء ومنها إلى الفدائيين الفلسطينيين في الداخل، واستمر على هذه الحال حتى قرر عام 1959 الهجرة إلى سوريا ومنها إلى لبنان.

وفاته
استأنف الحاج محمد أمين الحسيني في بيروت نشاطه السياسي فأصدر مجلة "فلسطين" الشهرية، وظل في لبنان حتى توفي عام 1975 ودفن في مقبرة الشهداء عن عمر يناهز 79 عاما.
____________________
1- محمد أمين الحسيني، الموسوعة الفلسطينية، المجلد الرابع، الطبعة الأولي 1984، هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق، ص 138 - 142.
2- أمين الحسيني، موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، لبنان، المجلد الأول، الطبعة الثالثة 1990، ص 335.


المصدر: الجزيرة

السبت، فبراير 21، 2009

حقائق عن قضية فلسطين 13 للحاج أمين الحسيني مفتي القدس

الحلقة الأخيرة

ملحق : تصريح بلفور

في اليوم الثاني من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1917 أرسل المستر ارثر بلفور وزير خارجية بريطانيا يومئذ (وقد أصبح فيما بعد اللورد بلفور) ، الرسالة الآتية إلى اللورد روتشيلد، بصفته رئيساً للمنظمة الصهيونية الإنجليزية :

يسرني أن أبعث إليكم بالنيابة عن حكومة جلالة الملك، بالتصريح الذي ينم عن العطف على أماني اليهود الصهيونيين والذي رفع إلى الوزارة ووافقت عليه :

"إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي بفلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية مع البيان الجلي بأن لا يفعل شيء يضر الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين الآن، ولا الحقوق أو المركز السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى" .

المادة الثانية والعشرون من ميثاق عصبة الأمم :

فيما يلي نص المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم التي بني عليها صك الانتداب:

"إن بعض الجماعات التي كانت تابعة فيما مضى للإمبراطورية العثمانية بلغت مرتبة من الرقي يمكن معها الاعتراف مؤقتاً بكيانها كأمم مستقلة بشرط أن تمد بالمشورة والمعونة الإدارية من قبل دولة منتدبة إلى أن تصبح قادرة على حكم ذاتها بذاتها، وينبغي أن يكون لرغائب هذه الجماعات الاعتبار الأول في اختيار الدولة المنتدبة . أما الشعوب الأخرى وبخاصة شعوب أفريقيا الوسطى فهي في دور يتحتم معه أن تكون الدولة المنتدبة مسئولة عن إدارة البلاد في أحوال تضمن حرية الضمير والدين .... إلخ"

الكتاب الأبيض لفلسطين عام 1922 (رقم 1700) :

أصدرت وزارة المستعمرات البريطانية في لندن (وكان وزيرها حينئذ السير ونستون تشرشل). كتاباً أبيض رقم 1700 بتاريخ 22 يونيو (حزيران) 1922 . وقد أورد تشرشل في الكتاب المذكور المراسلات التي جرت بينه وبين وفد عرب فلسطين الذي سافر إلى لندن ليطالب بإنشاء حكم وطني في فلسطين استناداً إلى العهود المقطوعة للعرب وإلى ميثاق عصبة الأمم .

وزعم الكتاب الأبيض أن تلك العهود لا تشمل فلسطين وإن إنشاء الحكم الوطني سيحول دون تنفيذ الوعد الذي وعدته الحكومة البريطانية اليهودية، ورفض الكتاب الأبيض المطالب التي قدمها وفد عرب فلسطين للحكومة البريطانية ، وأكد وجوب استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتنفيذ سياسة الانتداب .

وقد حاول المستر تشرشل أن يفسر الوطن القومي ، ومداه، وأن يخفف من مخاوف العرب منه. فكان مما جاء في الكتاب الأبيض المذكور :

"إن حكومة جلالة الملك تلفت النظر إلى الواقع بأن أحكام تصريح بلفور لا ترمي إلى تحويل فلسطين برمتها إلى وطن قومي لليهود بل إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وتنفيذا لهذه السياسة من الضروري أن تتمكن الطائفة اليهودية في فلسطين من زيادة عدد أفرادها بواسطة المهاجرة، ولا يجوز أن تكون هذه الهجرة كبيرة لدرجة أنها تزيد على مقدرة البلاد الاقتصادية لاستيعاب مهاجرين جدد، ومن الضروري ضمان عدم صيرورة المهاجرين عبئاً على أهالي فلسطين كافة وحرمانهم أية طبقة من الأهالي الحاليين من عملهم " .

ثم قال :

"لو سأل سائل عن معنى تنمية الوطن القومي في فلسطين لأمكن الرد عليه بأنها لا تعني فرض الجنسية اليهودية على أهالي فلسطين إجمالاً ، بل زيادة نمو الطائفة اليهودية بمساعدة اليهود الموجودين في أنحاء العالم حتى تصبح مركزاً يكون فيه للشعب اليهودي برمته اهتمام وفخر من الجهتين الدينية والقومية، ومن رأي الوزير أن التصريح إذا فهم على هذه الصورة لا يتضمن أمراً، ولا ينطوي على شيء يوجب تخوف سكان فلسطين العرب"

ويقول الدكتور وايزمان في مذكراته (صفحة 360) إن السير (هربرت صموئيل) المندوب السامي (اليهودي) البريطاني لفلسطين هو الذي وضع مشروع ذلك الكتاب الأبيض، وإن الحكومة البريطانية عرضته على (اللجنة الصهيونية) قبل إصداره للاطلاع عليه، وإبداء وجهات نظر زعماء اليهود بشأنه، وطلبت الحكومة من اليهود قبول الأسس والمبادئ الواردة في الكتاب الأبيض تمهيداً للحصول على موافقة مجلس العموم البريطاني عليه، وإبرام صك الانتداب من جانب عصبة الأمم والبرلمان البريطاني. ووافق الزعماء اليهود كتابة على ذلك الكتاب الأبيض بتاريخ 18 يونيو 1922 فأصدرته الحكومة البريطانية رسمياً في 22 يونيو 1922 .

دستور فلسطين :

اشتمل الكتاب الأبيض البريطاني لعام 1922 على (دستور) لفلسطين وعلى السياسة العامة التي تعتزم الحكومة البريطانية اتباعها في البلاد .

ونشرت (حكومة فلسطين) وبعبارة أخرى دولة الانتداب، الكتاب الأبيض ودستور فلسطين في جريدتها الرسمية بتاريخ أول سبتمبر (أيلول) 1922 فأصبح نافذاً، وشرعت بالعمل على تطبيق نصوصه .

المجلس التشريعي :

وقد نص الكتاب الأبيض المذكور (في دستور فلسطين) على تشكيل مجلس تشريعي للبلاد مؤلف من 22 عضواً كما يلي :

10 موظفون بريطانيون يعينهم المندوب السامي

8 مسلمون بالانتخاب

2 مسيحيان بالانتخاب

2 يهوديان بالانتخاب

22 المجموع

وقد نص مشروع المجلس التشريعي آنف الذكر على أن يكون المندوب السامي رئيساً للمجلس، وأن يكون له حق النقض (فيتو)، وأن ليس من اختصاص المجلس التعرض لمبدأ الانتداب أو الوطن القومي اليهودي أو الهجرة اليهودية إلى فلسطين .

المجلس الاستشاري لعام 1922:

على أثر رفض العرب لمشروع المجلس التشريعي ومقاطعة العرب للانتخابات خطت الحكومة البريطانية خطوة أخرى فيما أسمته "خطة إقامة مؤسسات للحكم الذاتي في فلسطين، ولكنها كانت خطوة إلى الوراء، فقد عينت في شهر مارس (آذار) عام 1923 مجلساً استشارياً برئاسة المندوب السامي ، وعلى أساس مبدأ الانتداب ووعد بلفور ، مؤلفاً من 22 عضواً كما يلي :

10 بريطانيون

8 مسلمون

2 مسيحيان

2 يهوديان

22 المجموع

ولكن العرب الذين رفضوا المجلس التشريعي ، لم يقبلوا بهذا المجلس الاستشاري أيضاً، فاضطرت الحكومة البريطانية للعدول عنه .

الوكالة العربية :

في 13 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1923 عرض المندوب السامي على العرب تأليف (وكالة عربية) يكون لها سلطة مماثلة لسلطة الوكالة اليهودية كما نص عليها صك الانتداب .

وقد رفض عرب فلسطين اقتراح المندوب السامي لعدم فائدته ولأنه يساويهم – وهم أصحاب البلاد وأكثرية سكانها الساحقة – بالأقلية اليهودية الدخيلة، ولأن قبولهم به ينطوي على اعترافهم بالانتداب ووعد بلفور وهو ما يأباه العرب .

مجلس استشاري بريطاني يهودي :

في ديسمبر (كانون الأول) عام 1923 عين المندوب السامي البريطاني مجلساً استشارياً لفلسطين مؤلفاً من كبار الموظفين البريطانيين وكان بينهم بعض اليهود .

الكتاب الأبيض لعام 1930 (رقم 3692) :

على أثر ثورة فلسطين في أغسطس (آب) 1929، أوفدت الحكومة البريطانية لجنة برلمانية للتحقيق في أسباب الاضطرابات برئاسة السير والترشو، (قاضي قضاة بريطاني سابق) ، وقدمت اللجنة المذكورة تقريراً عن تحقيقاتها للوزارة البريطانية، اعترفت فيه بالظلم الواقع على العرب، وأوصت الوزارة بمنح فلسطين درجة من الحكم الذاتي، وإزالة مخاوف العرب من الهجرة اليهودية وتسرب الأراضي لليهود. ثم عينت الحكومة لجاناً فنية لدرس مواضيع الهجرة والأراضي، وكانت منها لجنة السيرجون هوب سيمبسون، الخبير المالي البريطاني بشؤون الأراضي، ولجنة لويس فرنش، وهو خبير بريطاني آخر، ولجنة ثالثة برئاسة المستر (كروسبي) أحد كبار الموظفين، ورفعت تلك اللجان تقارير إلى الحكومة عن مسألتي الأراضي والهجرة ، كانت خطيرة جداً في محتوياتها، إذ كشفت النقاب عن المآسي السياسية والاقتصادية والتشريعية التي تنزل بعرب فلسطين، واشتملت التقارير على عدة توصيات لتحسين الحالة في البلاد، وحماية حقوق العرب والمحافظة على أراضيهم وإشراكهم في الحكم والإدارة .

وأرسل عرب فلسطين وفداً إلى لندن طالب الحكومة البريطانية بإنشاء حكومة وطنية ووقف الهجرة اليهودية ومنع انتقال الأراضي إلى اليهود .

وعلى أثر صدور تقارير اللجان آنفة الذكر وجهود الوفد الفلسطيني أصدرت الحكومة البريطانية، وكان يرأسها المستر رامزي ما كدونالد، كتاباً أبيض جديداً بتاريخ أكتوبر 1930، عرف بكتاب (اللورد باسفيلد) وزير المستعمرات البريطاني حينئذ .

وأكدت الحكومة البريطانية في ذلك الكتاب الأبيض عزمها وتصميمها على الأخذ بتوصيات لجنة شو، واللجان الفنية الأخرى، وقالت "إن الوقت قد حان للتقدم خطوة أخرى في سبيل منح فلسطين درجة من الحكم الذاتي.. وبناء على ذلك تنوي حكومة جلالته تأليف مجلس تشريعي ينطبق على الخطة السياسية التي أعلنت في الكتاب الأبيض في 22 يونيو (حزيران) 1922"

فلما أصدرت الحكومة البريطانية هذا الكتاب الأبيض الجديد، لم يرفضه العرب كما كان الإنجليز أنفسهم يتوقعون، وعلى الرغم من أنه لم يشتمل على شيء جديد بالنسبة للعرب، وأن مشروع المجلس التشريعي المقترح فيه كان نفس مشروع عام 1922، فإن العرب رأوا فيه نصوصاً تقضي بتقييد انتقال الأراضي العربية، كما تقضي بتقييد الهجرة اليهودية وأعربوا عن استعدادهم للنظر فيه، غير أن غلاة الاستعماريين البريطانيين وفي مقدمتهم تشرشل نفسه (صاحب مشروع عام 1922) عارضوا سياسة الحكومة الجديدة وشنوا أشد الحملات وأعنفها على الكتاب الأبيض ، وساهم في تلك الحملات الشديدة كثير من أعضاء مجلس العموم من الأحرار والعمال والمحافظين، وفي الوقت نفسه قامت اليهودية العالمية تثير الدنيا (على الكتاب الأبيض) واستقال الدكتور وايزمان من رئاسة الوكالة اليهودية احتجاجاً ، وقام اليهود في أمريكا وكثير من الأقطار الأوربية بمظاهرات احتجاجية على السياسة البريطانية .

فأرسل وزير المستعمرات اللورد باسفيلد كتاباً إلى جريدة التيمس في 6 نوفمبر 1930 أنكر فيه أنه سيوضع تشريع يحول دون استمرار اليهود في تحقيق سياستهم المعروفة فيما يتعلق بالأراضي والعمال، كما أن مستر رامزي ماكدونالد رئيس الوزارة البريطانية وجه كتاباً بتاريخ 13 فبراير (شباط) 1931 إلى وايزمان يؤكد له فيه تمسك الحكومة بتعهداتها بشأن إنشاء الوطن القومي اليهودي، ويفسر الكتاب الأبيض تفسيراً كان بمثابة إلغاء له. وتلي كتاب ماكدونالد في مجلس العموم، فاستقبله النواب بالتأييد والترحيب، وطلبوا من الحكومة سحب كتابها الأبيض ، فتم ذلك، وعدل وايزمان عن استقالته.. واستمرت الحكومة البريطانية في حكم فلسطين حكماً مباشراً تعسفياً .

مشروع المجلس التشريعي لعام 1935:

انقلب النضال العربي في فلسطين في عام 1933 وما بعده إلى حركة مقاومة سافرة عنيفة للاستعمار البريطاني مباشرة أزعجت الحكومة البريطانية وحملتها على محاولة استرضاء العرب وتهدئة شعورهم .

ففي 21 و22 ديسمبر (كانون الأول) 1935 عرض المندوب السامي البريطاني (السير ارثروا كهوب) على ممثلي العرب واليهود مشروعاً لتأليف مجلس تشريعي لفلسطين مؤلفاً من 28 عضواً كما يلي :

أعضاء بالانتخاب أعضاء بالتعيين

8 مسلمون 3 مسلمون

1 مسيحي 2 مسيحيان

3 يهود 4 يهود

12 2 من التجار (يمثلان الجاليات الأجنبية)

5 موظفون بريطانيون

16

فيكون مجموع الأعضاء من منتخبين ومعينين كما يلي :

عرب يهود وأجانب

11 مسلمون 7 يهود

3 مسيحيون 5 بريطانيون

2 ممثلان للجاليات الأجنبية


ونص المشروع آنف الذكر على ما يلي :

1- أن يكون رئيس المجلس من خارج فلسطين .

2- ليس للمجلس حق التعرض لمناقشة الانتداب والوطن القومي اليهودي .

3- للمجلس حق إبداء الرأي بصدد الهجرة اليهودية دون أن يتقيد المندوب السامي بتلك الآراء .

4- للمندوب السامي حق الاطلاع على مقررات المجلس والموافقة عليها أو رفضها .

5- للمندوب السامي حق وضع بعض القوانين دون استشارة المجلس .

وعندما عرض المندوب السامي هذا المشروع الجديد، كان يعلم أنه دون مطالب العرب المشروعة بكثير، وأنه مشروع هزيل بوجه عام، واعتقد أن العرب سيرفضونه، ولذلك فقد أعلن رسمياً باسم الحكومة البريطانية أن "المجلس يؤلف رغم كل معارضة ولو بتعيين الأعضاء عن الفريق الذي يرفض الاشتراك فيه " .

ودرس زعماء العرب المشروع الجديد ولم يرفضوه بل طلبوا إدخال تعديلات عليه، ولكن اليهود سارعوا بإعلان رفضهم للمشروع وأعلنوا أنهم لا يقبلون الاشتراك في أي مجلس تشريعي لا يكون لهم في نصف الأعضاء على الأقل مع أن عددهم لم يكن يتجاوز 27% من مجموع السكان حينئذ. وشنوا مع أنصارهم من رجال الاستعمار البريطاني حملة شعواء على المشروع الجديد .

ولما تقدمت وزارة المستعمرات بهذا المشروع إلى مجلس اللوردات ثم إلى مجلس العموم هوجم المشروع فيهما هجوماً شديداً بتأثير اليهود وأنصارهم ولم يكن للعرب في كلا المجلسين من يدافع عن وجهة نظرهم ، وأصبح واضحاً أن الحكومة البريطانية ستطوي مشروعها الجديد وتعدل عنه. الأمر الذي بلغ بالعرب حد اليأس من إنصاف السياسة البريطانية حتى في مثل هذا المجلس التشريعي الهزيل .

وهكذا استمرت الحكومة البريطانية في حكمها الشاذ لفلسطين .

صك الانتداب :

نورد فيما يلي بعض مواد صك الانتداب على فلسطين الذي وافق عليه مجلس عصبة الأمم، وهي المواد التي لها علاقة بمواضيع البحث التي اشتمل عليها هذا الكتاب، وكذلك مقدمة هذا الصك التي أوردها المجلس ببيان الحيثيات والأسباب الباعثة على إصداره :

مجلس عصبة الأمم :

لما كانت دول الحلفاء الكبرى قد وافقت على أن يعهد بإدارة فلسطين، التي كانت تابعة فيما مضى للمملكة العثمانية ، بالحدود التي تعينها تلك الدول، إلى دولة منتدبة تختارها الدول المشار إليها ، تنفيذا لنصوص المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم ،

ولما كانت دول الحلفاء الكبرى قد وافقت أيضاً على أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن تنفيذ التصريح الذي أصدرته في الأصل حكومة صاحب الجلالة البريطانية في اليوم الثاني من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1917، وأقرته الدول المذكورة لصالح إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يجحف بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية الموجودة الآن في فلسطين، أو بالحقوق والوضع السياسي مما يتمتع به اليهود في أية بلاد أخرى، ولما كان قد اعترف بذلك الصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين، وبالأسباب التي تبعث على إعادة إنشاء وطنهم القومي في تلك البلاد، ولما كانت دول الحلفاء قد اختارت صاحب الجلالة البريطانية ليكون منتدباً على فلسطين، ولما كان الانتداب على فلسطين قد صيغ في النصوص التالية وعرض على مجلس عصبة الأمم لإقراره، ولما كان صاحب الجلالة البريطانية قد قبل الانتداب على فلسطين وتعهد بتنفيذه بالنيابة عن عصبة الأمم طبقاً للنصوص والشروط التالية، ولما كانت الفقرة الثامنة من المادة 22 المتقدمة الذكر تنص على أن درجة السلطة أو السيطرة أو الإدارة التي تمارسها الدولة المنتدبة سيحددها بصراحة مجلس عصبة الأمم إذا لم يكن هناك اتفاق سابق بشأنها بين أعضاء عصبة الأمم ، لذلك فإن مجلس عصبة الأمم بعد تأييده الانتداب المذكور يحدد شروطه ونصوصه بما يلي :

المادة الأولى :

يكون الدولة المنتدبة السلطة التامة في التشريع والإدارة، باستثناء ما يكون قد قيد منها في نصوص هذا الصك .

المادة الثانية :

تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي. بحسب ما جاء بيانه في ديباجة هذا الصك وترقية مؤسسات الحكم الذاتي ، وتكون مسؤولة أيضاً عن صيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين بقطع النظر عن الجنس أو الدين .

المادة الرابعة :

يعترف بوكالة يهودية ملائمة كهيئة عمومية لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين، ولتساعد وتشترك في ترقية البلاد على أن يكون ذلك خاضعاً دوماً لمراقبة الإدارة، ويعترف بالجمعية الصهيونية كوكالة ملائمة ما دامت الدولة المنتدبة ترى أن تأليفها ودستورها يجعلانها صالحة ولائقة لهذا الغرض ، ويترتب على الجمعية الصهيونية أن تتخذ ما يلزم من التدابير بعد استشارة حكومة صاحب الجلالة البريطانية للحصول على معونة جميع اليهود الذين يبغون المساعدة في إنشاء الوطن القومي اليهودي .

المادة السادسة :

على إدارة فلسطين ، مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع جميع فئات الأهالي الأخرى أن تسهل هجرة اليهود في أحوال ملائمة، وأن تشجع بالتعاون مع الوكالة اليهودية المشار إليها في المادة الرابعة حشد اليهود في الأراضي بما فيها الأراضي الأميرية والأراضي الموات غير المطلوبة للمقاصد العمومية .

المادة السابعة :

تتولى إدارة فلسطين مسؤولية سن قانون للجنسية ، ويجب أن يشتمل ذلك القانون على نصوص تسهل اكتساب الجنسية الفلسطينية لليهود الذين يتخذون فلسطين مقاماً دائماً لهم .

المادة الحادية عشرة :

تتخذ إدارة فلسطين جميع ما يلزم من التدابير لصون مصالح الجمهور فيما يتعلق بترقية البلاد وعمرانها ويكون لها السلطة التامة في وضع ما يلزم لاستملاك أي مورد من موارد البلاد الطبيعية أو الأعمال والمصالح والمنافع العمومية الموجودة في البلاد أو التي ستؤسس فيما بعد أو السيطرة عليها، بشرط مراعاة الالتزامات الدولية التي قبلتها الدولة المنتدبة على نفسها. ويترتب عليها أن توجد نظاماً للأراضي يلائم احتياجات البلاد، مراعية في ذلك، ضمن الأمور الأخرى ، الرغبة في تشجيع حشد السكان في الأراضي وتكثيف الزراعة .

ويمكن لإدارة البلاد أن تتفق مع الوكالة اليهودية المذكورة في المادة الرابعة على أن تقوم هذه بإنشاء أو تسيير الأشغال والمصالح والمنافع العمومية وترقية مرافق البلاد الطبيعية بشروط عادلة ومنصفة ما دامت الإدارة تتولى هذه الأمور مباشرة بنفسها . غير أن كل اتفاق كهذا يجب أن يشترط فيه أن لا تتجاوز الأرباح التي توزعها الوكالة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة مقدار الفائدة المعقولة التي يعود بها رأس المال المستثمر ، وأن كل ما يزيد على هذه الفائدة من الأرباح يجب أن يستخدم لما فيه نفع البلاد على الوجه الذي توافق عليه الإدارة .

المادة الرابعة عشرة :

تؤلف الدولة المنتدبة لجنة خاصة لدرس وتحديد وتقرير الحقوق والادعاءات المتعلقة بالأماكن المقدسة والحقوق والادعاءات المتعلقة بالطوائف الدينية المختلفة في فلسطين وتعرض طريقة اختيار هذه اللجنة وقوامها ووظائفها على مجلس عصبة الأمم لإقرارها، ولا تعين اللجنة ولا تقوم بوظائفها دون موافقة المجلس المذكور .

المادة الثانية والعشرون :

تكون الإنجليزية والعربية والعبرية اللغات الرسمية لفلسطين، وكل عبارة أو كتابة بالعربية وردت على طوابع أو عملة تستعمل في فلسطين يجب أن تكرر بالعبرية، وكل عبارة أو كتابة بالعبرية يجب أن تكرر بالعربية .

المادة الرابعة والعشرون :

تقدم الدولة المنتدبة إلى مجلس عصبة الأمم تقريراً سنوياً بصورة تقنع المجلس يتناول التدابير التي اتخذت أثناء السنة لتنفيذ نصوص الانتداب وترسل نسخ من جميع الأنظمة والقوانين التي تسن أو تصدر أثناء السنة مع التقرير .

المادة الخامسة والعشرون :

يحق للدولة المنتدبة بموافقة مجلس عصبة الأمم أن ترجئ أو توقف تطبيق ما تراه من هذه النصوص غير قابل للتطبيق على المنطقة الواقعة ما بين نهر الأردن والحد الشرقي لفلسطين كما سيعين فيما بعد ، بالنسبة للأحوال المحلية السائدة في تلك المنطقة وأن تتخذ ما تراه ملائماً من التدابير لإدارة تلك المنطقة وفقاً لأحوالها المحلية الحاضرة، بشرط أن لا يؤتى عمل لا يتفق مع أحكام المواد 15، 16، 18 .

تودع الصورة الأصلية لهذا الصك في دائرة محفوظات عصبة الأمم، وترسل صور مصدقة منه بواسطة السكرتير العام لعصبة الأمم إلى جميع أعضاء العصبة .

حرر في لندن في اليوم الرابع والعشرين من شهر تموز سنة ألف وتسعمائة واثنتين وعشرين.

الكتاب الأبيض لعام 1939 ومؤتمر لندن :

في 9 نوفمبر عام 1938 أذاعت الحكومة البريطانية بياناً أعلنت فيه عدولها عن مشاريع التقسيم نتيجة لتقرير اللجنة الفنية، وعزمها على عقد مؤتمر بريطاني، عربي، يهودي، يشترك فيه، ممثلون عن الحكومات العربية فضلاً عن ممثلي عرب فلسطين لمعالجة الحالة معالجة حاسمة، وقد رفض ممثلو العرب الجلوس مع اليهود لأنهم لم يعتبروهم في وقت ما طرفاً في النزاع ولا أصحاب حق في فلسطين، وعقد المؤتمر بين ممثلي الحكومات العربية وممثلي الحكومة البريطانية في أوائل سنة 1939 وحضره مندوبون عن مصر والمملكة العربية السعودية واليمن والعراق وشرق الأردن، ووفد عن عرب فلسطين، وقد أصر العرب على وجوب الرجوع بالقضية إلى بساطتها، والكف عن الاستمرار في الخطة الشاذة التي جرت بريطانيا عليها والتي جرت على العرب وفلسطين الفتن والشرور، فتعلن فلسطين دولة مستقلة ويلغي الانتداب، وتسوى العلاقات بينها وبين بريطانيا بمعاهدة أسوة بما جرى في العراق وسورية ولبنان ، وتوقف الهجرة اليهودية وانتقال الأراضي لليهود وقفاً تاماً .

ولم ترد الحكومة البريطانية الأخذ بوجهة نظر العرب وتطبيقها فوراً، (وتدخلت الولايات المتحدة الأمريكية لصالح اليهود) فانفرط المؤتمر دون اتفاق . وعلى أثر ذلك قررت الحكومة البريطانية سياسة معينة لفلسطين، وأعلنتها في كتاب أبيض في 17 مايو (أيار) 1939، وفيما يلي خلاصة السياسة التي حددها الكتاب الأبيض المذكور :

1- اعترفت الحكومة بتعارض الالتزامات التي أخذتها على عاتقها نحو اليهود والعرب، وغموض معنى الوطن القومي ومداه.

2- واعترفت بأنها ساعدت على نشوء الوطن القومي مساعدة فعالة بحيث صار من الصواب أن يتمتع أهل فلسطين بما أمكن من السرعة بحقوق الحكم الذاتي التي يمارسها أهالي البلاد المجاورة .

3- وقررت أنها ترمي إلى هدف تشكيل حكومة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات ترتبط معها بمعاهدة وينتهي الانتداب بعد التشاور مع مجلس عصبة الأمم ، على أن يتم هذا التشكيل بخطوات تدريجية يعطى فيها أهل فلسطين نصيباً متزايداً في حكومة بلادهم. وعند انقضاء خمس سنوات تشكل هيئة ملائمة من ممثلي فلسطين والحكومة البريطانية للنظر في كيفية سير الترتيبات الدستورية، ووضع دستور لدولة فلسطينية مستقلة .

4- وقررت أن تسمح لآخر مرة لخمسة وسبعين ألف مهاجر خلال خمس سنوات، ثم لا يسمح بعد ذلك بهجرة يهودية أخرى إلا إذا قبل بها عرب فلسطين .

5- وقررت كذلك معالجة مشكلة الأراضي بإصدار تشريعات من شأنها منع أو تحديد أو إباحة انتقال الأراضي لليهود حسب ظروف مناطق فلسطين المختلفة .

وقد ذكرت الحكومة البريطانية أنها مصممة على تنفيذ سياستها الجديدة بقطع النظر عن قبولها أو رفضها من أي الفريقين، العرب واليهود، وتعهدت أمام مجلس العموم البريطاني بشرفها وشرف الإمبراطورية بتنفيذ سياستها الجديدة !

وقد جاء موضوع التطور الدستوري ونشوء الدولة الفلسطينية في الكتاب الأبيض غامضاً، وفيه ما يجعل تحقيقها رهناً بمشيئة اليهود، فكان هذا مما حمل اللجنة العربية العليا لفلسطين على الاعتراض وإذاعة بيان من بيروت بتاريخ 23 يونيو (حزيران) 1939 اعترضت فيه على سياسة الالتواء والغموض التي انطوى عليها الكتاب الأبيض ولاسيما في مسألة جعل إعلان استقلال فلسطين رهناً بموافقة اليهود، وشعر العرب أن الحكومة البريطانية ما زالت تجنح للمخادعة والتخدير والتطويل والتعقيد، ووقفت البلاد العربية أيضاً موقف المتحفظ .

أما اليهود فقد سارعوا إلى رفض الكتاب الأبيض وأذاعت الوكالة اليهودية بياناً في هذا الشأن جاء فيه (أن سياسة الكتاب الأبيض منافية لحقوق اليهود الطبيعية في فلسطين، وأن أبطال اليهود الذين رفضوا على قوتهم وصلابتهم في تأسيس الوطن القومي اليهودي يعرفون كيف يدافعون عن الهجرة اليهودية والوطن القومي اليهودي والحرية اليهودية ...) .

وبعد بضعة أشهر من صدور الكتاب الأبيض نشبت الحرب العالمية الثانية، وفي خلال عامي 1940 – 1941 طالبت الدول العربية ، ومعظم أعضاء اللجنة العربية العليا ، الحكومة البريطانية بتنفيذ كتابها المذكور، ولكنها على الرغم من تصريحاتها وتوكيداتها السابقة فقد أهملته إهمالاً كلياً إرضاء لليهود، ولما انتهت في نوفمبر 1945 مدة السنوات الخمس المحددة في الكتاب الأبيض لدخول 75 ألف مهاجر يهودي خلالها، أصدرت الحكومة البريطانية في 14نوفمبر 1945 قراراً بالسماح بهجرة يهودية جديدة على أساس 1500 مهاجر يهودي شهرياً بالرغم من اعتراض العرب على ذلك .


و غداً تعريف مختصر بالحاج أمين الحسيني مؤلف الكتاب و سيرته الذاتية

الجمعة، فبراير 20، 2009

حقائق عن قضية فلسطين 12 للحاج أمين الحسيني مفتي القدس

كيف تعالج قضية فلسطين وما هي الخطة المثلى لحلها ولمشكلة اللاجئين ولاسترداد عروبة فلسطين :

وإليكم الجواب على الشق الثاني من سؤالكم الأخير وهو :

- كيف تعالج هذه القضية ، وما هي الخطة المثلى لحلها ، ولمشكلة اللاجئين، ولاسترداد عروبة فلسطين ؟

لقد أشرت في أجوبتي السابقة إلى المؤامرة المبيتة ، بل الغزوة الخطيرة، التي أعدها التعصب الذميم والاستعمار الغاشم ، وغذتها الأحقاد القديمة ، منتهزة فرصة ما أصاب البلاد العربية والإسلامية من ضعف ووهن، وجهل وغفلة ، فصممت على القضاء علينا والتعفية على آثارنا، مبتدئة من هذه البقاع الفلسطينية المباركة لتتخذ منها رأس جسر ونقطة وثوب على الأقطار العربية المجاورة لزلزلة أركانها وتقويض بنيانها، ولو انحصرت الخصومة بالصهيونيين واليهود وحدهم لهان الخطب، ولكن المصيبة الجلي هي في تعضيد الدول الكبرى الاستعمارية، وفي مقدمتها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لليهود تعضيداً قوياً. ومساعدتهم سياسياً ومالياً وعسكرياً حتى زاد ما أغدقته الولايات المتحدة على الدولة اليهودية منذ تأسيسها عام 1948 حتى اليوم على ألفي مليون دولار هبات وقروضاً وتعويضات، عدا الأسلحة والمعدات والسفن والطائرات .

الولايات المتحدة الأمريكية تبنى أسطول "إسرائيل" البحري :

وقد نقلت الصحف عن شركات الأنباء بتاريخ 4 محرم سنة 1374 (2 سبتمبر 1954) : "إن حكومة "إسرائيل" تسلمت من أمريكا ثلاث قطع بحرية ضخمة هي جزء من أسطول يهودي كبير أوصت "إسرائيل" بصنعه في أحواض الولايات المتحدة وقد صرح أمريكي مسؤول أن الأسطول "الإسرائيلي" سيجعل من "إسرائيل" أقوى دولة بحرية في الشرق الأوسط، وإذا أضفنا إلى ذلك قواها الجوية والبرية المزودة بأحدث الأسلحة الثقيلة تأكدنا أن "إسرائيل" سيكون لها القول الفصل في منطقة الشرق الأوسط، وبذلك تقطع "إسرائيل" كل اتصال بحري أو جوي بين الأقطار العربية كما قطعت الاتصال البري بينها . فعلى الأمة العربية أن تعرف حقيقة وضعها وما هو عليه من خطورة ، وما يبيت لها من خطط لصدع كيانها وتقويض بنيانها، وعلينا أن نعترف بجسامة الكارثة التي نزلت بنا، وإن التجربة الاستعمارية الجديدة التي نفذت في فلسطين بإخراج شعبها والاستيلاء على أرضها ومقدساتها وأموالها ، إذا قوبلت بالخشوع والاستسلام ، ولم تصد بقوة وحزم، فإنها ستنفذ حتماً في الأقطار العربية المجاورة التي ستذكر يومئذ المثل المعروف: "إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض" .

علينا أن نعرف هذه الحقيقة المرة، لا لنستسلم لليأس الذي لا يليق بالأمم الحية فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ولا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، بل لنقوي عزيمتنا ونحفز هممنا، ونقابل جد الأعداء بجد مثله وتصميمهم بأعظم منه، ذلك الجد والتصميم اللذين غفلت عنهما الأمة العربية واستبدلت بهما التواني والهزل والعبث حتى وقعت كارثة فلسطين .

ولذلك فإن علينا معاشر العرب والمسلمين أن نعمل ما يأتي لمعالجة قضية فلسطين :

تعبئة روحية :

1- أن نقوم بتعبئة روحية قوية، عاملين على بعث الرجاء في النفوس ، ونزع اليأس من القلوب، فنفعم نفوسنا وقلوبنا أفراداً وجماعات، بالإيمان الصادق، واليقين بالفوز والنصر، وباستنقاذ وطننا واستعادة كرامتنا غير مترددين ولا مرتابين (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم) . فقد سقطت بلادنا المقدسة في أيدي المعتدين مراراً ثم استنقذت منهم، ولنا شواهد عديدة على ذلك في التاريخ قديماً وحديثاً بل في الحرب العالمية الأخيرة ، فإن شعوباً كثيرة استعادت أوطانها بعد ما قضى عليها المتغلبون واجتاحها الأقوياء المسيطرون .

الجد والتصميم وتوطين النفس على المكروه :

2- أن ندع الهزل والتواني والإهمال، ونعتصم بالجد كل الجد في معالجة قضيتنا ونصمم على بلوغ غايتنا مستهينين بكل العقبات والمصاعب، وأن نوطن نفوسنا على المكاره وتحمل أشد الآلام وأغلى التضحيات في سبيل تحقيق أهدافنا واستنقاذ بلادنا التي هي ميراثنا الديني والقومي والتاريخي، ذاكرين قوله تعالى : (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلو من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب) .

اذكروا فلسطين :

3- أن تعمل الأمة العربية في سائر أقطارها وأمصارها، على ذكر فلسطين وقضيتها والدعاية الواسعة لها وتدريس تاريخها في سائر مدارسها ، وترديد اسمها وكارثتها في الصحف والمجالس والمدارس، وأن توزع خريطتها وصور أماكنها المقدسة في كل مكان ، وأن تفعل في ذلك فوق ما فعلته فرنسا حينما انتزعت منها الالزاس واللورين ، إذ فرضت على جميع الفرنسيين أن يضعوا خريطتهما في بيوتهم ومتاجرهم ومدارسهم وكنائسهم، وأن يدرسوا تاريخهما وجغرافيتهما في معاهدهم قبل سائر الولايات الفرنسية، وأقامت بالإضافة إلى ذلك نصباً تذكاريا رمزا للالزاس والورين في مكان خاص بالعاصمة الفرنسية ليحج إليه الفرنسيون من سائر الطبقات تذكيراً لهم بهذا الجزء الذي اعتبروه مغصوباً من الوطن الفرنسي .

وأن تصلح الأمة العربية الخطأ الفادح ، بل الخزي الفاضح، الذي اقترفته بإهمالها ذكر فلسطين، وقبولها بطمس اسمها ومحو رسمها من خريطة العالم إذ أصبح القسم الذي احتله اليهود من فلسطين يدعي "إسرائيل" والقسم الآخر المجاور لنهر الأردن "الضفة الغربية" ولم يبق حاملاً اسم فلسطين إلا منطقة غزة التي يحميها الجيش المصري. وعلى الأقطار العربية أن تعني كل العناية بنشر اسم فلسطين وقضيتها بأوسع نطاق كما فعلت الحكومة السورية مشكورة من تأليف الكتب عن تاريخ فلسطين وقضيتها وإلزامها جميع المدارس السورية بتدريسها فيها .

تعبئة عسكرية

4- تعبئة الفلسطينيين تعبئة عسكرية بأعدادهم جسمياً وعسكرياً بتدريبهم وتجنيدهم وتسليحهم وتحويل جميع القادرين منهم إلى مجاهدين وأن يكون عليهم المعول في حراسة الحدود وتحصينها والدفاع عنها وقد قامت أدلة وبراهين لا تنقص على أن أولى الناس بالذود عن الحدود والصمود لليهود، هم أهل فلسطين، ومن الشواهد على ذلك ما ذكره اللواء علي نجيب سفير مصر في سورية فقد اطلعت على تصريح له في بعض الصحف العربية يشيد فيه ببسالة مجاهدي قرية "فلامية" واستماتتهم في دفع قوات الجيش اليهودي المعتدي على قريتهم، ولما قابلته في ربيع الآخر 1373 الموافق ديسمبر 1953 بدمشق سألته عن تصريحه هذا فأكده وروي لي عن شدة كفاح مجاهدي هذه القرية الفلسطينية الصغيرة وحسن بلائهم في دفع عدوان اليهود عن قريتهم ما يدهش .

وهناك شهادات كثيرة على بسالة أهل قلقيلية وإدنا وخوسان ونحالين وغيرها تؤيد ما نقول وتؤكد صحة هذه الخطة التي بذلنا ما وسعنا لتحقيقها منذ حلول الكارثة، ولقد قدمنا في هذه السبيل عشرات المذكرات وقمنا بالمحادثات في مئات الجلسات حتى استجاب لمطالبنا بعض الأقطار فجند بعض اللاجئين . وإنا لنرجو أن تعم هذه الفكرة وأن ينقلب جميع القادرين من الفلسطينيين إلى "مجاهدين" .

تحصين حدود فلسطين :

5- تحصين الحدود العربية المجاورة للمناطق التي احتلها اليهود تحصيناً عسكرياً فنياً لدفع حملات الأعداء المستمرة عليها وإحباط مطامعهم في تجاوزها إلى بقية المنطقة العربية من فلسطين وما وراءها .

تحسين مدينة القدس :

6- تحصين مدينة القدس تحصيناً فنياً قوياً ، والعناية التامة بالدفاع عنها، لأن مطامع اليهود فيها خطيرة جداً. فهم يريدون الاستيلاء عليها وإقامة هيكلهم الديني على أنقاض المسجد الأقصى المبارك . فإن هذه المدينة المقدسة التي تحتوي على المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في القرآن الكريم وأحد المساجد الثلاثة كما ورد في الحديث الشريف والقبلة الأولى للمسلمين ومكان الإسراء والمعراج للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والتي تحتوي غير ذلك على كثير من الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية والذكريات الدينية للسيد المسيح عليه السلام وغيره من أنبياء الله الكرام، عدا قبور الصحابة والتابعين وعشرات الألوف من الشهداء والمجاهدين ، قد أهملت شؤونها العمرانية والاقتصادية كما أهملت شؤونها العسكرية إهمالاً خطيراً فاضحاً وفقاً للخطة البريطانية الاستعمارية التي تعمل على إضعافها عسكرياً واقتصادياً لحمل أهلها العرب على النزوح عنها والهجرة منها تسهيلاً لاحتلال اليهود لها وتسليمهم إياها، في الوقت الذي كان اليهود ينقلون إلى القسم الغربي من القدس الذي احتلوه ، وزاراتهم ومجلسهم النيابي وبقية دوائرهم تمهيداً لاتخاذها عاصمة لهم، ولا يألون جهداً في عمرانها وإنعاشها اقتصادياً .

وإنه لمن العار على العرب والمسلمين أن تهمل هذه المدينة المقدسة التاريخية هذا الإهمال الشائن ، وليعلموا أن سقوط القدس والمسجد الأقصى بإهمالهم وسكوتهم وتخاذلهم نذير بسقوط الأماكن المقدسة الأخرى (لا سمح الله) فإن مطامع اليهود السافرة الخطيرة في شمال الحجاز والمدينة المنورة لم تعد خافية وقد ذكرناها بالتفصيل في بعض مقالاتنا السابقة .

إعادة قضية فلسطين إلى أهلها :

7- إعادة قضية فلسطين إلى الفلسطينيين فإنهم أحق بها وأهلها وأحدب عليها وأولى بالذود عنها والاستماتة في سبيلها . ولقد أثبتت التجارب أن هذه القضية كانت وهي في أيدي أهلها مصونة عزيزة الجانب إلى أن استطاعت المؤامرات الاستعمارية أن تنتزعها منهم بالتأثير على بعض الدول العربية فحرمتهم بذلك من الاشتراك الوافي في الحرب كما أبعدتهم عن ميدان السياسة، ولا تزال هذه السياسة الاستعمارية المسيطرة تقاوم بوسائلها المتعددة العناصر المؤمنة المجاهدة من أهل فلسطين لأنهم لم يخضعوا لسيطرتها ولم يخدعوا بمغرياتها .

فينبغي أن تعاد هذه القضية إلى أيدي أهلها المؤمنين المخلصين المصممين ليعيدوا إليها حيويتها ونشاطها، والأمل المرجو من الأقطار العربية أن تمدهم بالعون والثقة والتأييد وأن تحذر من الانخداع بالدعاية الاستعمارية اليهودية الدائبة على تشويه سمعة الفلسطينيين ومحاولة الإفساد والتفريق بينهم وبين إخوانهم العرب في سائر الأقطار .

موقف الحزم والصرامة من الدول الاستعمارية :

8- أن تقف الأمة العربية والعالم الإسلامي موقفاً صريحاً حازماً من الدول الاستعمارية التي تعضد اليهود وتساعدهم مالياً وسياسياً وعسكرياً ، وتحملها مسؤولية كل ما حدث ويحدث في هذه المنطقة من مظالم وفجائع وخسائر في الأنفس والأموال، ومن اضطراب لحيل الأمن وتعكير لصفو السلام، وأن تطالب هذه الدول الاستعمارية ، ولا سيما إنجلترا وأمريكا، بالعدول عن سياسة الظلم والتحيز ، وبالوقوف – بالأقل – على الحياد الصحيح، ولا تقبل أي تعاون سياسي أو اقتصادي أو حربي معها ما لم تعدل سياستها وتلزم جانب الحياد .

توحيد القوى وجمع الكلمة :

9- أن لا تألو البلاد العربية جهداً في سبيل توحيد القوى وجمع الكلمة والوقوف صفاً واحداً تجاه التيارات الاستعمارية والأخطار العسكرية والسياسية والاقتصادية وتوثيق التعاون بين الدول العربية ليكون لها وزن يعتد به في الميزان الدولي .

التمرد على الاستعمار :

10- أن تتمرد الأمة العربية على التوجيه الاستعماري، وأن تكون سياسة الأمة العربية صادرة عن صميم رغباتها وصادق شعورها ووفقاً لحاجاتها ومصالحها لا وفقاً لمصالح المستعمرين ، وأن تنبذ الذين ران الاستعمار على قلوبهم، واستولى على عقولهم ، وجعلهم آلات طيعة صماء يسخرها ويسيرها كيف يشاء ، وأن نقصي هذه الفئة الضالة من عملاء الأعداء وأنصارهم عن كافة الميادين العربية العامة .

الحذر من المستعمرين وجواسيسهم وعملائهم :

11- الحذر من عملاء المستعمرين وجواسيسهم ودعاتهم وشياطينهم الذين بثوهم في كل ناحية، دانية و نائية، من البلاد العربية، في دواوينها الرسمية، وبيوتها الخاصة، وسائر أماكنها الحساسة، وفي الأسواق والمعابد، والمدارس والمعاهد، وفي المدن والقرى، وفي السهول والجبال، والصحاري والفيافي . أولئك هم سمع الاستعمار وبصره وآلاته وأدواته المسخرة وهم الذين يؤلفون الطابور (الرتل) الخامس وقد بلغ عدد أفراد هذا "الطابور" في البلاد العربية نسبة لا مثيل لها في أي قطر من أقطار العالم، وأنبث أفراده بين الناس يحصون عليهم أنفاسهم، ويسجلون حركاتهم وسكناتهم ويسعون في الأرض فساداً جاهدين في تفريق كلمة الأمة وتشتيت شملها وتسميم أخلاقها الكريمة وعقائدها القويمة وتوهين روابطها وتقاليدها، ونشر روح الهزيمة فيها، دائبين على ذلك بنظام وبراعة ، وفق خطط مرسومة ليهدموا كيان الأمة العربية ويقوضوا بنيانها، فينبغي أن نحذر هؤلاء كل الحذر كما يجب اتخاذ وسائل المقاومة اليقظة المنظمة لشل حركاتهم وتضييق الخناق عليهم واطلاع الناس على كيدهم ومؤامراتهم ، وأخذهم بالحزم كما تفعل الأمم الحية مع أمثالهم لاتقاء شرورهم ورد كيدهم إلى نحورهم .

وصفوة القول أن الواجب يقضي بالوقوف موقف الحذر الشديد من دوائر المخابرات الأجنبية التي تحرك هؤلاء العملاء والدعاة والجواسيس وترسم لهم الخطط وتغدق عليهم الأموال بغير حساب. وهي تسخر أناساً من جميع الطبقات والمقامات من الرجال والنساء، من الأغنياء والفقراء، والوزراء والسفراء، ومن الخاصة والعامة، للعمل معها والتجسس لها، وترويج مصالحها وتنفيذ أغراضها، فهي من أعظم الأخطار وأكبر المصائب التي تحيق بالبلاد العربية. وكيف يرجى نجاة أمة ونجاحها وتقدمها وفلاحها بوجود هذه العوائق الخطيرة والعناصر الشريرة .

الخلق اليهودي :

وبعد فإن ثمة فرصاً يجب انتهازها، وأخطاء من الأعداء ينبغي استغلالها ، كما أن لنا أنصاراً يساعدوننا مساعدة إيجابية أو سلبية، وأعتقد أن لنا نصيراً سلبياً عظيم الأهمية ، وهو الخلق اليهودي المتأصل فيهم والذي طبعت عليه نفوسهم من أول عهدهم فكان من أهم أسباب فشلهم في جميع أدوار تاريخهم وبغض الناس لهم وخصومتهم واضطهادهم . ومن أبرز نواحي هذا الخلق اليهودي الغرور والإفراط في الأنانية الذي نشأ عن اعتقادهم بأنهم شعب الله المختار من دون الناس، والتطرف الذي لا حد له في المطامع والمطالب والرغبة في حرمان غيرهم من الخير مصداقاً لقوله تعالى فيهم : (أم لهم نصيب من الملك فإذن لا يؤتون الناس نقيرا) ، فلا حدود لمطامعهم ولا رحمة في قلوبهم، وقد اشتهروا باللدد في الخصومة والقسوة الشديدة كما وصفهم الله تعالى بقوله : (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون) .

فهذا الخلق الذي نشأ عن اعتقادهم بأنهم شعب الله الخاص، وأنهم أولى بخيرات هذه الدنيا من غيرهم من الأمم، جعلهم لا يقيمون وزناً لسواهم، ولا يعترفون بحق أو فضل لغيرهم، مما أيأس الناس في كل أدوار التاريخ من العيش معهم، وأعتقد أن هذا الخلق الذي هو (غضب الله) الملازم لهم، سيكثر من أعدائهم ويثير الأمم عليهم، ويكون حافزاً للعرب والمسلمين (الذين استحقوا بابتعادهم عن الله والدين القويم أن يبتلوا بطغيان اليهود وبغيهم وعدوانهم عليهم)، إلى اليقظة والتوبة والعودة إلى الله ، والصراط المستقيم، ولعل حكمة الله اقتضت أن لا تكون افاقتهم من سباتهم العميق، وانتباهتهم من غفلتهم الشديدة ، إلا بأقوى المنبهات وأشدها إيلاما لهم ووخزاً لجسومهم وأرواحهم فيرجعوا إلى سابق عهدهم وينقذوا بلادهم المقدسة من عدوان المعتدين ، سواء أكانوا أجانب مستعمرين أم يهوداً صهيونيين .

استنقاذ فلسطين ضرورة مبرمة للأمة العربية :

هذا ولا شك أن استنقاذ فلسطين واستردادها من أيدي الغاصبين ضرورة مبرمة لا محيد عنها وحاجة قصوى لا مناص منها للأمة العربية . فهي واسطة عقد أقطارها، وجامعة شملها ولحمة شطريها، والصلة الوحيدة التي تربط هذه الأقطار في كل من آسيا وأفريقية ببعض، وأن فقدها (لا سمح الله) سيقضي على كل اتصال بين هذه الأقطار ويعرضها لأشد الأخطار، وقد أخذ شعور العرب والمسلمين بهذا الخطر يزداد على توالي الأيام .

تصريحات خطيرة لجلالة الملك سعود :

وأقرب دليل وأصدق برهان على ذلك التصريحات الأخيرة التي صرح بها جلالة الملك سعود ملك المملكة العربية السعودية من أنه "إذا استمر الصهيونيون في عدوانهم على العرب وتهديدهم لكيانهم فليس أمام العرب والمسلمين إلا الدفاع عن أنفسهم وبلادهم بكل ما يملكونه من أنفس وأموال، وإن الملايين من العرب والمسلمين يتمنون أن تسفك دماؤهم في سبيل حماية المسجد الأقصى وأرضه المباركة من الصهيونيين ، وأن هذا آت لا ريب فيه طال الزمان أم قصر . ففلسطين للعرب وهي في نظرهم ونظر المسلمين أولى القبلتين وثالثة الحرمين الشريفين وجزء لا يتجزأ منهما، وعلى الدول المعنية بأمر الهدوء والسلام في الشرق الأوسط أن تتفهم هذه الحقيقة وتعيها وتضعها نصب أعينها، وإذا كانت هذه الدول قد وجدت من ساعدها على تنفيذ خطة الصهيونيين بإيجاد "إسرائيل" في فلسطين فإن الوعي العربي قد نما كثيراً في جماهير الشعوب العربية .."

وقد ورد في مكان آخر من التصريح المذكور لجلالة الملك سعود قوله : "أذاع بعض رجالات "إسرائيل" المسئولين أن "إسرائيل" يجب أن تنمو وتتسع حتى تشمل حوضي دجلة والفرات وشبه جزيرة سينا وشمال البلاد العربية السعودية بما فيها المدينة المنورة أحد الحرمين الشريفين ومثوى نبي المسلمين، وبعد كل ذلك، بلادي وبلاد كل عربي مسلم . ولقد ثبت لنا مطامع الصهيونية اليوم من أقوال رجالها وممن أوجدها ومن يدعون إليها . وهذه الخطة يجاهرون بها ويدرسونها لتلاميذ المدارس في "إسرائيل" ويحشون أدمغتهم بهذه الأوهام والخيالات ، ولا جواب لما يعملون اليوم من أجله إلا أن نعد لهم ما استطعنا من قوة" .

وكذلك تصريح سابق لجلالته نشرته وكالة اسوشياتد برس من الرياض بتاريخ 9 يناير سنة 1954 أعرب فيه عن استعداد العرب للتضحية بعشرة ملايين منهم ليعيشوا أعزة كراماً وزاد على ذلك بقوله : إن فلسطين سقطت في أيدي اليهود عام 1948 وخسر العرب معركتها لأنهم لم يكونوا متحدين ، ولو كنا اتحدنا يومئذ لما ظهرت "إسرائيل" إلى عالم الوجود، وإن "إسرائيل" جرح دام في جنب العالم العربي ولن نستطيع تحمل آلام هذا الجرح بل ليس لدينا الصبر الذي يمكننا من رؤية "إسرائيل" باقية تحتل جزءاً من فلسطين زمناً طويلاً .."

وهناك ما يملأ القلب إيماناً ويقيناً ، ويفرغ على النفوس سكينة وطمأنينة باسترداد هذه البلاد المباركة، وهو اعتقادنا الذي لا يتزعزع أن الله العظيم العادل، لن يترك هؤلاء اليهود المعتدين والمستعمرين الظالمين، من إنجلترا وأمريكيين وسواهم، ممعنين في بغيهم الأثيم، وإنه تعالى يمهل ولا يهمل، ويستدرج الظالمين إلى حيث يلقون جزاءهم العادل كما قال وهو أصدق القائلين : (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) ، (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) .

أيها الفلسطينيون، أيها العرب والمسلمون!

أعلموا أنكم في موقف حاسم من مواقف التاريخ، وعلى مفترق الطريق من مستقبل العروبة والإسلام، وأنكم تجابهون غزوة من أقسى غزوات البغي والطغيان، فإن لم تدركوا حقيقة هذا الموقف، وتجدوا كل الجد وتصمموا على بذل الجهد ودفع الثمن مهما غلا، فسيحل بكم بلاء عظيم وستصيبكم القارعة التي لا تبقى ولا تذر، والتي نسأل الله منها السلامة وحسن العافية .

وأعلموا أن المستعمرين والصهيونيين الذين أخرجوا عرب فلسطين من ديارهم وشردوهم في الآفاق إنما يقومون بتجربة جديدة للغزو الاستعماري وهي إبدال شعب بشعب بإبادة العرب وإحلال اليهود محلهم في فلسطين ، كما فعل الإنجليز والأمريكيون بالهنود الحمر وسكان استراليا الأقدمين، فإن استخذيتم ورضختم لهذا الظلم ولم تهبوا لدفعه فإن هذه التجربة بعد نجاحها في فلسطين ، ستنفذ حتماً في سائر الأقطار العربية .

الخلاصة

وخلاصة القول : إن معالجة قضية فلسطين واسترداد عروبتها لا يتم بالقول الهراء، ولا بمجرد التمني والدعاء . فإذا أردتم تحقيق ذلك فاشرعوا بالتعبئة الروحية، والتعبئة الحربية (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ودعوا الهزل واعتصموا بالجد والتصميم واذكروا فلسطين كذكركم أنفسكم أو أشد ذكراً ، وقوموا لها بالدعاية الواسعة، وحصنوا حدود البلاد، ومواقعها المنيعة في القرى والمدن ولا سيما "القدس" المدينة التاريخية وأماكنها المقدسة وأعيدوا قضية فلسطين إلى أهلها المستميتين في سبيلها، وانبذوا للأعداء على سواء، مصارحين الاستعمار بأنه سبب الداء، وأساس البلاء، ووحدوا الصفوف واستعصوا على التوجيه الاستعماري، وانبذوا الانهزاميين، وعملاء المستعمرين ودعاتهم، واتباعهم، وجواسيسهم وسائر رجال الطابور الخامس، واحذروهم . وأقصوهم عن القضية وعن سائر الميادين العامة العربية .

فإن فعلتم ذلك مستعينين بالله العلي القدير مستمسكين بحبله المتين فإنكم حينئذ تفوزون بالنصر المبين وباسترداد فلسطين، وتسترجعون كرامتكم وتحيون في أوطانكم حياة طيبة أعزاء آمنين،

هذه هي السبل القويمة التي توصلكم إلى أهدافكم وإلى إنقاذ بلادكم، فاسلكوها واسعوا إليها السعي الحثيث فالله تعالى يقول : (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) . وثقوا أنكم قادرون على تحقيق غاياتكم، وأنكم عائدون حتماً إلى بلادكم إن أخلصتم، وصممتم وسعيتم وجاهدتم ، وبذلتم أموالكم ، وسفكتم دماءكم .

وترد بالدم بقعة أخذت به

ويموت دون عرينه الضرغام

(ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز)

و قد إنتهى الكتاب و تبقى ملحق له عن وعد بلفور و بعض تداعياته بفلسطين من صك الإنتداب على فلسطين و تأسيس الوكالة اليهودية و غيرها

في الحلقة الأخيرة غداً

الخميس، فبراير 19، 2009

حقائق عن قضية فلسطين 11 للحاج أمين الحسيني مفتي القدس

توقيع الهدنتين الأولى والثانية تحت ضغط دول الاستعمار حال دون النصر

تعصب اليهود الديني واعتناقهم الفكرة الصهيونية

قوبل من العرب باستخفاف توافق أهداف الاستعمار البريطاني والمصالح اليهودية

السؤال الحادي عشر و الأخير :

أما وقد أجبتم على هذه الأسئلة فهل لكم أن تجيبوا على سؤال نود أن نختتم به هذه الدراسة لمشكلة فلسطين ، والسؤال هو :

1- ما هي الأسباب الرئيسية لكارثة فلسطين؟

- كيف تعالج هذه القضية ، وما هي الخطة المثلى لحلها ، ولمشكلة اللاجئين ولاسترداد عروبة فلسطين؟

الجواب :

إن الإجابة على سؤالكم هذا بشقيه تحتاج إلى كتاب ضخم يحتوي بين دفتيه على قضية فلسطين كلها، أسبابها ، وسيرتها، ونتائجها ، ولا يتسع المجال لذلك، إذ لا يكفيه مقال، بل يحتاج إلى تفصيل واف لما يختلج في الصدور، وإيضاح مسهب لما يتساءل عنه الناس في كل مكان عن أسباب الكارثة ودقائقها، فلا بد من الإيجاز في الجواب والاختصار على ذكر الأسباب الرئيسية وإرجاء التفصيل إلى فرصة أخرى .

لقد اشتملت أحاديثي السابقة، على الإشارة عرضاً إلى بعض هذه الأسباب ، عند الإجابة على أسئلتكم العشرة، وأقول الآن إن الأسباب الرئيسية لكارثة فلسطين منها ما هو خارجي ، ومنها ما هو داخلي. وهذه الأسباب بعضها قديم وبعضها الآخر حديث .

الأسباب الخارجية :

فأما الأسباب الخارجية الرئيسية فهي :

تعصب اليهود الديني :

1- دوافع التعصب الديني الشديد عند اليهود وإصرارهم على استعمار فلسطين والاجتماع في بيت المقدس حول "الهيكل" (المكان الذي يقوم فيه المسجد الأقصى المبارك) . ورفضهم إنشاء الوطن اليهودي في غير فلسطين، كما وقع في مؤتمر (بال) الذي انعقد عام 1897 برئاسة "هرتزل" ، وفي غيره من المؤتمرات اليهودية ، واعتناق يهود العالم للفكرة الصهيونية والتفافهم حولها .

استغلال الشعور الديني عند البروتستانت :

2- الشعور الروحي المتأثر بالتوراة عند الإنجليز والأمريكيين البروتستانت خاصة لما ورد فيها من نبوءات استغلها اليهود لمصالحهم عن عودة اليهود إلى فلسطين، وقد جاء ذكر ذلك في مذكرات وايزمان، وفي مقررات مؤتمر الكنائس البروتستانتية الذي انعقد في عام 1944م في الولايات المتحدة ، تلك المقررات التي وقع عليها نحو خمسة آلاف قسيس يمثلون معظم الكنائس الأمريكية ، واستغلال اليهود لذلك الشعور الديني عند الإنجليز والأمريكيين حتى بلغ ما دفعته الولايات المتحدة الأمريكية للدولة اليهودية في بضع سنين ألف مليون دولار، هذا عدا سبعمائة وخمسين مليوناً أرغمت أمريكا حكومة ألمانيا الغربية على دفعها لليهود كتعويضات ولا تزال المساعدات والقروض والهبات الأمريكية تغدق بلا حساب لمصلحة اليهود وتقوية دولتهم، كما أن جيوش إنجلترا في مصر والسودان والأردن والعراق وليبيا وقبرص ومالطة مستعدة دائماً أن تحمي الدولة اليهودية .

أثر الحروب الصليبية :

3- ما خلفته الحروب الماضية بين الشرق والغرب المعروفة بالحروب الصليبية ، التي أثيرت فيها العواطف الدينية ، وما تلاها من حملات الجيوش العثمانية على شرق أوربا في نفوس كثير من الشعوب الأوربية وغيرها من إحن وأحقاد، وبغض عميق للعرب والمسلمين عامة، مما حملها على الوقوف إلى جانب اليهود .

أهداف الاستعمار في الأقطار العربية :

4- توافق أهداف الاستعمار البريطاني ومصالحه ، مع مصالح اليهود في القضية الفلسطينية ، ثم انضمام الولايات المتحدة الأمريكية إليهما فيما بعد ، وذلك لأن الاستعمار يرمي إلى ما يأتي:

أ- جعل الدولة اليهودية في فلسطين متكأ له، وخنجراً مسموماً يشهره في وجوه الدول العربية كلما أحس منها تمرداً عليه أو مقاومة له، ويضرب به جنوبها وفقاً لمصالحه .

ب- اتخاذ الوطن اليهودي حاجزاً يفصل الأقطار العربية في آسيا، عن الأقطار العربية في أفريقيا، ويقطع كل صلة برية بين هاتين القارتين .

ج- اتخاذ اليهود عائقاً دون تقدم الأمة العربية في أقطارها الواسعة ذات الثروات العظيمة من بترول ومعادن وغيرها والتي تقع في أهم مراكز العالم التجارية والجغرافية والعسكرية، ويزداد عدد سكانها زيادة مستمرة كما يستيقظ شعورها ويتنبه وعيها، ويخشى في المستقبل بأسها وطغيانها على الغرب، في الحين الذي أخذت فيه شعوب الدول المستعمرة تتردى في هاوية سحيقة من ترف الحضارة وطراوة العيش وفساد الأخلاق حتى أصبح كثير منها لا يطيق تكاليف الحروب وأعباءها، وقد ضعف تكاثر سكانها ، وخمدت حماستها .

أوربا تعارض استقلال شمالي أفريقيا :

ولهذه المناسبة أذكر أن بعض زعماء شمالي أفريقيا، كتبوا إليّ خلال الحرب الماضية عندما كنت في ألمانيا، لأعمل على إقناعها بالاعتراف باستقلال بلادهم ومدها بالسلاح، مقابل تعاونهم مع ألمانيا في الحرب، وقد تلقى الألمان بادئ الأمر هذا الاقتراح بالارتياح ، إلا أن أكثرية الدول الأوربية عارضته بشدة ووقفت ضده، ولا أنسى ما قاله لي يومئذ الدكتور "بروفر" وكيل وزارة الخارجية الألمانية لشئون الشرق وهو : أن ألمانيا تجيز هذا المشروع وتراه مفيداً لها، ولكن الدولة الأوربية الأخرى تعارضه معارضة شديدة، وحجتها في ذلك أن الأقطار العربية في شمال أفريقيا إذا استقلت حرمت أوربا من استعمارها مع أنها أقرب البلاد إليها، كما أن القوة التي ستتهيأ لها بنتيجة هذا الاستقلال ستهدد أوربا الآخذة في الضعف والانهيار" .

الانتداب البريطاني على فلسطين :

5- الخطة الاستعمارية التي سارت عليها إنجلترا لجعل فلسطين وطناً قومياً لليهود وموافقة عصبة الأمم على جعلها هي الدولة المنتدبة على فلسطين . وقد انتهزت إنجلترا هذه الفرصة لترسيخ أقدامها وتوطيد نفوذها في الأقطار العربية .

الفظائع الإنجليزية في عرب فلسطين :

6- ما قارفته إنجلترا في فلسطين من الفظائع طول عهد انتدابها الذي عملت خلاله على "وضع البلاد في حالات سياسية وإدارية واقتصادية تسهل إنشاء الوطن القومي اليهودي، كما نص عليه صك الانتداب الجائر ، وحرمان عرب فلسطين من استقلالهم وسائر حقوقهم السياسية، وإهدار مصالحهم ، وإفقارهم، واضطهادهم ونزع سلاحهم ، والتنكيل بهم بأفظع طرق البطش والارهاق والظلم، يقابل ذلك من الناحية الأخرى تأييد إنجلترا لليهود وحمايتهم ورعاية مصالحهم وتشجيعهم على الهجرة وتمكينهم من الاستيلاء على الأراضي، وتسليحهم وتدريبهم تدريباً عسكرياً . وكذلك موقف السلطات الإنجليزية قبل معركة فلسطين وخلالها وتحيزها الشديد لليهود ومساعدتهم عسكرياً في المعارك التي وقعت بينهم وبين العرب وتآمرهم معهم لإجلاء العرب كما فعلت في طبرية وحيفا وطيرة حيفا وغيرها .

مساعدة إنجلترا وأمريكا لليهود :

7- عدم التكافؤ بين الجبهة العربية على ما نعرف من أحوالها، والجبهة اليهودية التي عضدتها إنجلترا وأمريكا وغيرهما من الدول الاستعمارية عضداً عظيماً من الوجهات السياسية والمالية والعسكرية . وقد بلغت المساعدات المالية الأمريكية لليهود منذ عام 1948، من هبات وقروض وتبرعات ، نحو ألفي مليون دولار .

أما المساعدات الإنجليزية فلم تكن أقل أهمية وأثراً في مساعدة اليهود خلال عهد الانتداب وأثناء معركة فلسطين عندما كان الإنجليز لا يزالون في فلسطين، وكانوا يدعون الحياد حينئذ . فقد نشرت جريدة "مشمار" اليهودية في شهر مارس 1948 أن السلطات البريطانية أعطت اليهود من الأسلحة والذخائر وغيرها من المواد الحربية ما قيمته خمسة ملايين جنيه بحجة أنها مخلفات حربية، ونشرت جريدة "يديعوت" اليهودية حول ذلك التاريخ أن اليهود اشتروا من الجيش الإنجليزي ألف سيارة نقل كبيرة، وصرح مندوب الوكالة اليهودية في جريدة "بوست" التي تصدر في القدس باللغة الإنجليزية بأن نواة قوة الطيران اليهودي كانت خمسين طياراً تدربوا في فرقة سلاح الجو الملكي البريطاني .. وغير ذلك .

الأسباب الداخلية :

وأما الأسباب الداخلية فأهمها ما يأتي :

1- ما أصاب الأمة العربية في العصور الأخيرة من وهن في الأخلاق، وضعف في الإيمان والعزيمة الوطنية ، وما انتشر فيها من الفوضى وضعف التنظيم .

غفلة الأمة العربية عن الخطر :

2- الغفلة الشديدة عن تعرف مواطن الخطر المحدق بكيان الأمة العربية بسبب الغزوة الاستعمارية والمؤامرة اليهودية، والاستخفاف بالأخطار استخفافاً ناشئاً عن الإهمال وخور العزيمة والاتكال، وعدم معرفة ما تنطوي عليه صدور اليهود من أحقاد قديمة ، والجهل بنيات المستعمرين الرهيبة ومكرهم السيئ .

لقد كان السواد الأعظم من العرب يستخف بهذه المؤامرة اليهودية الاستعمارية ولا يقيم لها وزناً. وكثيراً ما كنت أرى ابتسامة الاستخفاف والاستغراب ترسم على أفواه كثير من الكبراء والساسة العرب عندما كنت استرعى أبصارهم للأخطار المقبلة، وكان بعضهم يصارحني بما معناه : هل من المعقول أن إنجلترا التي لها كل هذه الصلات الوثقى بالعالمين العربي والإسلامي، تغامر بكل مصالحها وعلاقاتها من أجل خاطر اليهود! وهل يعقل أن إنجلترا المسيحية تفرط في هذه البلاد المقدسة ولا تبالي بشعور المسيحيين في العالم؟ أن هذا لمن المستحيل، وأن إنجلترا إنما تخادع اليهود مخادعة ولن تعطيهم شيئاً مذكورا ..

الدعاية الإنجليزية تعمل على تخدير العرب :

وقد كانت الدعاية الإنجليزية التي تبث في المقامات العربية السياسية، تعني خاصة بتخدير هذه المقامات التي كانت تقبل بسهولة على تناول تلك المخدرات الإنجليزية، وتحملها بدورها إلى غيرها آمنة مطمئنة ، مستخفة بالخطر المزعوم . كما كان بعض أولئك المخدرين بالتوجيه الأجنبي ينعتون من كانوا ينذرونهم ويحذرونهم ، بالتطرف والمبالغة ، ويرمونهم بالجهل بشئون السياسة .

ومن المحزن أن ذلك الموقف الشاذ الذي وقفه أولئك "العقلاء" بالنسبة لقضية فلسطين، يقفونه اليوم حيال تفاهم الخطر اليهودي – الاستعماري الذي أصبح يهدد الأقطار العربية المجاورة ، فلقد قال لي شخص منهم قبل نحو عامين في حديث لي معه : إن لدينا سعة من الوقت، فاليهود بعد ما ابتلعوا هذه اللقمة الضخمة من فلسطين لن يستطيعوا أن يمدوا يدهم إلى غيرها قبل أن يهضموها، وهذا يحتاج إلى عشرين عاماً أو خمسة عشر على الأقل، وهذه فسحة طويلة الأمد نتمكن خلالها من التأهب والاستعداد.. فبادرت إلى تحذيره مما في هذا الرأي من خطر، وقلت له إنك تقيس مع الفارق، وتحسب أن معدة اليهود مقتصرة على هذا المليون منهم المقيم بفلسطين ولم تحسب حساباً لمعدة اليهودية العالمية كلها المشتركة مع الدول الاستعمارية الكبرى التي تحاول ابتلاع الأقطار المجاورة برمتها .

فلسطين خط النار الأول :

ومما يدل على مدى الوهن في نفوس بعض المتصدين من العرب للسياسة والزعامة ما سمعته من أحدهم سنة 1920 وهو قوله:

"ليس من المصلحة أن يقف العرب من أهل فلسطين في وجه اليهودية العالمية لأن لليهود قوة عظيمة يمكننا استغلالها في سبيل تحقيق أهداف البلاد العربية، وأن المضطر يركب الأسنة، وأن العضو المريض الذي يستعصي شفاؤه يبتر لصالح الجسم!" . ومن المؤسف أن بعض الساسة كانوا متأثرين بمثل هذا الرأي في معالجة قضية فلسطين، ولم يدركوا أن فلسطين ليست إلا خط النار الأول في ميدان المعركة، ورأس الجسر للغزو اليهودي الاستعماري .

وبلغ من استخفاف بعض العرب بالخطر اليهودي، ومن وهنهم وخورهم خلال مقابلاتهم الرسمية للمسئولين من الإنجليز والأمريكيين بشأن قضية فلسطين، أنهم كانوا يقفون موقف الوسطاء المحايدين "المعدتلين" ، المترددين الحائرين ، على حين كان زعماء اليهود في مثل تلك المقابلات يظهرون أقصى التطرف والشدة ، ومنتهى الجد والعزيمة .

كيف عالج ساسة العرب القضية :

3- إن ما أصاب العرب من غفلة عن حقيقة الخطر الداهم، ومن ضعف في الأخلاق ووهن في العزائم ، قد نأي بهم عن الجد والحزم في معالجة قضية فلسطين فعالجوها هازلين غير مصممين على عكس ما كان عليه خصومهم من الاندفاع والمضاء والتصميم . وأية قضية في الدنيا تصيب نجاحاً إذا لم يكن الجد والعزم سداها، والتصميم والفداء لحمها! لقد كانت المعالجة العربية السياسية والعسكرية لهذه القضية غاية في الهزال والإهمال، وكانت الاجتماعات تعقد لمجرد الكلام والخطب الضخمة الجوفاء إلا من التهديد والوعيد بإلقاء اليهود في البحر، وشرب القهوة العربية على شاطئ تل أبيب بعد النصر المبين.. وما إلى هذا من محاولات الاستغلال المحلي الذي كان يرمي إليه بعض الساسة تقوية لمراكزهم أو تدعيماً لمناصبهم، وقد خدعتهم وعود المستعمرين الذين كانوا يؤكدن لهم أن اليهود لن ينالوا أكثر من منطقة صغيرة (كانتون) على الشاطئ من تل أبيب إلى (عتليت) بالقرب من حيفا. كما كانوا يوهمونهم أن الإنجليز حاقدون على اليهود لنسفهم دوائر الحكومة المنتدبة، ولما أنزلوا بضباطهم وجنودهم من أذى وامتهان حتى أنهم شنقوا بعضهم وجلدوا آخرين .. إلخ . فبمثل هذه المخادعات والأماني الكواذب اغتر بعض ساسة العرب، وملك المستعمرين عليهم أمرهم وزينوا لهم سوء أعمالهم، حتى حملوهم على إبعاد العناصر المؤمنة المخلصة المستميتة عن ميدان معركة فلسطين بحجة أنها عناصر متطرفة ومغالية وبعيدة عن الحكمة التي يتطلبها المستعمرين .

تهاون العرب والمسلمين في أمر فلسطين :

4- لم يعن العالمان العربي والإسلامي العناية الكافية بقضية فلسطين منذ الاحتلال البريطاني فاضطر عرب فلسطين أن يضطلعوا وحدهم بعبء مجابهة اليهودية العالمية المعززة بدول الاستعمار ذات القوى الهائلة والموارد العظيمة : وبينما كان يهود العالم يغدقون على (الوكالة اليهودية) بفلسطين مئات الملايين من الجنيهات كان العرب والمسلمون أشحاء – إلا من رحم ربك، وقليل ما هم – لا يبذلون شيئاً يتناسب وما يبذله الخصوم، وقد غفلوا عن قوله تعالى : (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) .

ولهذه المناسبة أذكر حديثاً بلغني عن المستر كروسمان عضو مجلس العموم البريطاني في زيارته الأخيرة لمصر وهو أنه سأل أحد أصدقائه العرب حيث قابله في القاهرة : هل في الدين الإسلامي ما يمنع التعاون بين المسلمين؟ فأجابه صديقه بالنفي، وسأله عن السبب في هذا السؤال . فقال كروسمان : إذن لماذا لا يساعد بعضهم بعضاً ولا يبذلون شيئاً يذكر حتى للاجئين.!

مقارنة بين شح العرب وبذل اليهود :

لقد آلمني جداً هذا الحديث لأنه نكأ الجروح الدامية التي سببتها معركة فلسطين الأليمة لكل من اشترك فيها منذ بدئها حتى اليوم، وأذكرني ما كتبه المرحوم الأمير شكيب أرسلان عام 1930 حينما أرسلنا إليه نشرة لجنة إعانة المنكوبين في ثورة 1929 التي وقعت بين العرب واليهود بسبب عدوان اليهود على مكان البراق الشريف . وقد وقع في معارك هذه الثورة من العرب قتلى وجرحى كثيرون فاستنجدت لجنة الإعانة المذكورة بالعالمين العربي والإسلامي بالبرق والبريد طالبة العون لليتامى وعائلات الشهداء. وبعد مضي عام كامل أصدرت اللجنة نشرة بوارداتها ونفقاتها فكانت نحو ثلاثة عشر ألفاً من الجنيهات. وصادف أن وقعت في يد الأمير شكيب نشرة أخرى مماثلة صادرة عن لجنة يهودية في جنيف لمساعدة اليهود المصابين في الثورة نفسها فإذا بمقدار ما ورد لمساعدتهم أكثر من مليون جنيه.. فكتب مقالاً قارن فيه بين شح العرب والمسلمين من ناحية وبذل اليهود وسخائهم من ناحية أخرى .

العرب أضاعوا الفرصة باختلافهم :

5- تخاذل بعض الدول العربية واختلاف سياستها أثناء معركة فلسطين، فلم يقاتل العرب صفاً كأنهم بنيان مرصوص، وأضاعوا الفرصة بعدم تعاونهم على العدو الذي لم يكن قوياً يومئذ بل كانت القوى العربية أكثر منه عدداً وعدة، ولا صحة البتة لما يقال من أن القوى اليهودية كانت أكثر عدة وعديداً فقد أعلن بن غوريون رئيس الوزارة اليهودية ووزير الحربية حينئذ أن القوى اليهودية الضاربة لم تكن أكثر من عشرة آلاف (والقوى الضاربة في كل جيش هي المؤلفة من الجنود الذين يستعملون السلاح في الميدان) بينما كانت القوات الضاربة في الجيوش العربية أكثر جداً من هذا العدد . هذا بالإضافة إلى أن اليهود لم يكن لديهم عندئذ طائرات حربية، وإنما كان عندهم قليل من طائرات التدريب التي لا تصلح للحرب، كما لم يكن لديهم مدافع ميدان بل كانت مدافعهم من طراز (مورتر) وهي مدافع خفيفة . أما الجيوش العربية فقد كان لديها المدافع الثقيلة والطائرات القاذفات للقنابل وغيرها من المعدات والأسلحة . يؤيد هذا ما جاء في خطاب لرئيس الوزارة اليهودية بن غوريون نفسه في مجلس النواب اليهودي قال فيه : "نحن مدينون بنجاحنا في إقامة دولة "إسرائيل" بسبعة وتسعين ونصف في المائة للسياسة وأثنين ونصف في المائة فقط للحرب والجيش" . وهنالك تفصيلات عن مقدار قوي الجيوش العربية وأسلحتها حينئذ ، تؤكد أنها كانت تفوق كثيراً القوات اليهودية .

6- إعداد الإنجليز طول مدة انتدابهم على فلسطين ولا سيما أثناء الحرب، كافة الوسائل لتنظيم اليهود وتدريبهم وتسليحهم وتهيئتهم لتسليم فلسطين ، يقابل ذلك تجريدهم العرب من السلاح وإرهاقهم وإضعافهم ليعجزوا عن الصمود في وجه اليهود حينما يسلمونهم البلاد، وبالرغم من ذلك فقد هب عرب فلسطين للاستعداد واشتراء السلاح بأغلى الأثمان، وجابهوا اليهود بالقوة وهزموهم في معظم المعارك .

قرار مجلس الجامعة في عاليه :

وكان مجلس الجامعة العربية في اجتماعه المنعقد في عاليه في أكتوبر 1947 وقد وافق على تقرير الخبراء العسكريين بوضع عرب فلسطين في وضع مماثل لليهود من حيث تسليحهم وتدريبهم، وتحصين مدنهم وقراهم تحصيناً عسكرياً فنياً، وجعلهم الأساس في الدفاع عن بلادهم، لأنهم أعرف بمواقعها وطرقها ومسالكها، ولأنهم أشد تصميماً واستماتة في الذود عن أهليهم وأموالهم وديارهم بالإضافة إلى أنهم أقل نفقة من المتطوعين أو الجنود القادمين من خارج فلسطين ، كما قرر أن ترابط الجيوش النظامية للدول العربية على حدود فلسطين دون دخولها، لتقوية الفلسطينيين ولمساعدة المجاهدين عند الضرورة بالعتاد والضباط وبعض الوحدات الفنية .

مذكرة إنجليزية للسلطات العربية :

فلما رأي الإنجليز انتصار المجاهدين الفلسطينيين في المعارك على اليهود انتصاراً مبيناً، وخشوا تفاقم حرب العصابات التي يعرفون أهميتها وقوة تأثيرها ، سقط في أيديهم وسارعوا بتقديم مذكرة إلى السلطات العربية الرسمية حينئذ يعترضون فيها على تسليح الفلسطينيين وتدريبهم ويصفون ذلك بأنه عمل غير ودي Unfriendly Act كما أنهم حملوا بعض الدول العربية على إدخال جيوشها في الحرب، وقد أشرت سابقاً إلى ما ورد في بعض للشهادات أمام محكمة الثورة عن تشجيع الإنجليز للمرحوم النقراشي على إدخاله الجيش المصري في الحرب رغم تصميمه قبل ذلك على عدم دخولها ، وقد كان النقراشي سجل تحفظ مصر ورفضها الدخول في الحرب في دورة مجلس الجامعة في عاليه في أكتوبر عام 1947 بما نصه : (أريد أن يعلم الجميع أن مصر إذا كانت توافق على الاشتراك في هذه المظاهرة العسكرية – أي الحشد على الحدود – فإنها غير مستعدة قط للمضي أكثر من ذلك) .

وأخيراً استطاع الإنجليز بخداعهم وضغطهم، أن يؤثروا على بعض الدول العربية، ثم توالت الجهود إلى أن تقرر دخول جميع الجيوش العربية إلى فلسطين، كما استطاع الإنجليز أيضاً هدم الركن الأساسي في برنامج العرب للدفاع عن فلسطين ، بحرمان المجاهدين الفلسطينيين من السلاح وسائر وسائل الجهاد، وإقصاء الفلسطينيين جميعاً عن ميدان المعركة من الوجهتين العسكرية والسياسية، وبذلك أقصوا العنصر المجاهد المستميت الذي يدافع عن نفسه وأهله ودياره .

جنرال إنجليزي يدير المعارك الحربية :

7- أن الضغط الاستعماري الأجنبي على بعض الأقطار العربية أدى إلى وضع القيادة العسكرية الفعلية للجيوش العربية في يد الجنرال جلوب الإنجليزي الذي أدار دفة المعارك بما يوافق أهواء السياسة البريطانية الضالعة مع اليهود، وبدل الخطة العسكرية التي وضعها رؤساء أركان حرب الجيوش العربية – في معسكر الزرقاء – بالإجماع في أوائل مايو سنة 1948، وسحب الجيش السوري المرابط على حدود المنطقة الشمالية من فلسطين بطريقة مكشوفة إلى جبهة سمخ حيث عرضه لخسائر فادحة ، كما غرر بالجيش العراقي ووجهه إلى مهاجمة مستعمرة – جيشر – التي كانت قاعدة من قواعد خط ابدن الحصين الذي أنشأه الإنجليز خلال الحرب لمقاومة الزحف الألماني، وعاق الجيش الأردني الذي كان معسكراً حول القدس عن الدفاع عنها بضعة أيام لإعطاء الفرصة لليهود لاحتلالها، ولولا استبسال المجاهدين الفلسطينيين وسكان القدس في الذود عنها لوقعت كلها بيد اليهود، وقد منع جلوب الجيوش العربية من القتال الفعلي ، كما سحب الجيش الأردني من الرملة واللد، بعد أن نزع أسلحة المجاهدين الفلسطينيين مما أدى إلى سقوط منطقة الرملة واللد . وغير ذلك مما لا يتسع له المجال الآن (ولدينا وثائق بتفصيلات هذه المؤامرات) .

جلوب حال دون إنقاذ الفالوجة :

ومما هو جدير بالذكر هنا أنه لما اجتمعت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية في القاهرة في نوفمبر 1948 وشهد الاجتماع أكثر رؤساء وزارات الدول العربية، تم الاتفاق في ذلك الاجتماع على التعاون الأكيد فيما بينهم، وقد دعي إلى القاهرة أيضا رؤساء أركان حرب الجيوش العربية لبحث الموقف الحربي من جميع وجوهه وتم الاتفاق على خطة موحدة لاستئناف القتال ورد عدوان اليهود، وقرروا أن يجعلوا فاتحة أعمالهم قيام الجيوش العربية بعمل مشترك لفك الحصار عن "الفالوجة" وانتقل رؤساء أركان الحرب من القاهرة إلى "الزرقاء" في شرق الأردن حيث وضعوا خطة عسكرية مفصلة لتنفيذ الاتفاق ، وقد روي لي تلك الخطة أحد القادة من أركان الحرب الذي شهدوا تلك الاجتماعات ، وخلاصتها كما سجلتها في حينها، إرسال لواء عراقي – ألاي – بكامل معداته من منطقة نابلس إلى منطقة الخليل، وفوجين – أورطتين – سوريين مجهزين تجهيزاً كاملاً إلى منطقة الخليل أيضا للتعاون مع اللواء العراقي على القيام بهجوم على الفالوجة عن طريق بيت جبرين لمساعدة الجيش المصري على إنقاذ حاميتها المحصورة ، وقد تم تحديد وقت معين للقيام بتلك العملية .

وبعد ذل انتقل رؤساء أركان الحرب إلى عمان ، ولما أطلع على الخطة المغفور له الملك عبد الله وافق عليها كما وافق عليها أيضا رئيس الوزارة الأردنية ووزير الدفاع .

ويقول من روي لي الخبر : لقد سررنا جداً من الموافقة الإجماعية على تلك الخطة، وذهبنا إلى العشاء بدعوة من الحكومة الأردنية في بيت إسماعيل البلبيسي باشا في عمان . وإذا بالجنرال جلوب يقدم علينا ويسألنا عن الخطة . فلما عرفها اعترض عليها وقال : إن هذا مستحيل، فإن الجيش الأردني لن يسمح للقوات السورية ولا العراقية باجتياز أراضي شرق الأردن، ولا المناطق التي يحتلها في فلسطين . وزاد على ذلك قوله : إذا نفذنا هذه الخطة فإننا نخشى أن يقصف اليهود مدينة عمان بقنابل الطائرات .

وأصر جلوب على موقفه وتهديده وحال دون تنفيذ تلك الخطة وبالنتيجة أحبط كل تعاون بين الجيوش العربية .

وهكذا استطاع الاستعمار بقيادة جلوب وأعوانه أن يبدل نصر العرب إلى هزيمة ، وقوتهم إلى ضعف ، وعزتهم إلى ذلة وهوان. وثمة أمر آخر، وهو أن الجنرال كلايتون رئيس الاستخبارات البريطانية في الشرق العربي كان له تأثير عظيم في توجيه السياسة في بعض البلاد العربية ، كما أن الجنرال سبيرز الإنجليزي كان قد عهد إليه القيام بالدعاية لقضية فلسطين والقضايا العربية في إنجلترا. ومن سرد هذه الوقائع يظهر لكم كيف أصبح لهذا الثالوث الاستعماري المؤلف من الجنرالات الثلاثة (جلوب وكلايتون وسبيرز) التأثير العظيم في كارثة فلسطين .

8- أن كثيراً من الذين كانت في أيديهم مقاليد الأمور في البلاد العربية، لم يعالجوا مشكلة فلسطين بما تتطلبه من روح الجد والتصميم ، ولم تتوفر لهم الدراسات السياسية والعسكرية والتاريخية عن فلسطين، وعن مبلغ الخطر اليهودي عليها وعلى الأقطار العربية المجاورة لها، كما أن بعضهم ممن وكل إليهم أمر القيادة العسكرية قد برهنوا على إهمال فاضح في الشئون العسكرية ، وهذا بالإضافة إلى أنهم لم يدخلوا فلسطين، ولم يعرفوا شيئاً عن شئونها الجغرافية، ومواقعها العسكرية، ولم يكونوا على شيء من العلم بقوة اليهود العسكرية، ومواقعهم وتحصيناتهم، وخطوط دفاعهم . والجانب الوحيد الذي كانت لديه هذه الدراسات والمعلومات والرغبة الشديدة والتصميم على مقاومة اليهود، هو الفريق المجاهد المستميت من أهل فلسطين الذي أبعدته لسوء الحظ الدسائس الاستعمارية والضغط الأجنبي على بعض السلطات العربية، عن ميدان الجهاد. وقد كانت المشكلة الفلسطينية أعظم وأكبر بكثير من أن تعالج بالشكل الهزيل الذي عولجت به ، ولم تكن المعالجة متناسبة مع خطورة الداء ولا كان الدواء هو الناجع الشافي من وباء الصهيونية الوبيل .

الهدنتان الأولى والثانية :

9- توقيع الهدنتين الأولى والثانية بين العرب واليهود نتيجة ضغط إنجلترا وأمريكا على بعض الدول العربية ، فقد كان العرب في موقف المنتصر، وكان الجيش المصري موغلاً في التقدم نحو رحوبوت وتل أبيب، كما كان الجيش العراقي على بعد أميال قليلة من تل أبيب، وكان الجيش الأردني يحتل اللد والرملة كما كان حولهما عدد كبير من خيرة المجاهدين الفلسطينيين . وكان اليهود في القدس في أسوأ حال بعد ما قطع عنهم المجاهدون الفلسطينيون كل مدد من الماء والطعام والسلاح والذخيرة، حتى رفعوا الرايات البيض للتسليم ووسطوا الهيئة الدبلوماسية في القدس فأوفدت هذه بعض أعضائها إلى دمشق لمفاوضته أولى الشأن من العرب في أمر التسليم .

كانت حيفا ستقع في أيدي العرب :

أما في المنطقة الشمالية فقد ضرب الفوج العراقي الذي كان يعسكر في جنين بقيادة الضابط الشجاع المقدام عمر علي، القوة اليهودية المهاجمة ضربة قاصمة في يوليو 1948 بالتعاون مع المجاهدين الفلسطينيين من أهل تلك المنطقة ، ضربة جعلت فلول اليهود يولون الأدبار في اتجاه "اللجون" وكان من أثر ذلك وقوع يهود حيفا في رعب شديد ومسارعة رئيس بلدية حيفا اليهودي "شبتاي ليفي" إلى تأليف وفد من نائبي الرئيس "الحاج طاهر قرمان" و"شحادة شلح" لمفاوضة القوة العراقية القادمة في أمر تسليم حيفا واعتبارها مدينة مفتوحة غير محاربة. ولكن قيادة جلوب حالت دون ذلك. وسحب الفوج العراقي وقائده ووجه إليه اللوم على اشتراكه في المعركة، وهكذا ضاعت على العرب الفرصة العظيمة .

أما في تل أبيب فلم يكن اليهود أحسن حالا فقد قامت فيها المظاهرات مطالبة بالكف عن القتال والتسليم، حتى اضطر بن غوريون رئيس وزرائهم أن يخطب في المتظاهرين تسكيناً لروعهم وتهدئة لجزعهم، وكان مما قاله لهم : "ان لدي وعداً قاطعاً من الإنجليز والأمريكيين بأن الهدنة ستعقد خلال ثلاثة أيام فإن لم يتم ذلك فتعالوا فاشنقوني هنا"!

فكانت النتيجة أن عقدت فعلاً الهدنتان ، الأولى في 11 يونيو سنة 1948، والأخرى في 19 يوليو سنة 1948واتيح لليهود خلال ذلك أن يتداركوا ما كان ينقصهم من السلاح والعتاد، وأن يفك الحصار عن يهود القدس وأن يسحب الفوج العراقي الذي ضرب القوة اليهودية في جنين ويلام قائده الشجاع المذكور ويسحب من الجبهة، وأن يعدل اليهود في حيفا عن التسليم، وأن تنسحب القوات الأردنية من اللد والرملة، وأن ينسحب تبعاً لذلك الجيش العراقي من رأس العين إلى طولكرم، وأن ينكشف جناح الجيش المصري الأيسر فيضطر إلى الرجوع نحو الجنوب دون أن تنجده قوات من الجيوش العربية ، وأن ينقلب الوضع رأساً على عقب .

أثر الدعاية المضللة بين العرب :

10- الدعايات المضللة والأراجيف الكاذبة التي تغلغلت في البلاد العربية والتي كانت تذيعها المصادر الاستعمارية واليهودية عن قوة اليهود وضعف العرب وتفرقهم، وما قامت به دوائر المخابرات الإنجليزية واليهودية وغيرها من الدوائر الموالية لها من إشاعات باطلة عن الفلسطينيين ، وإلصاقها بهم أشنع التهم تشوبها لسمعتهم ونزعاً للثقة منهم ، وإبعاداً لما بينهم وبين إخوانهم العرب من روح المودة والتعاون على دفع العدو الغاصب عن فلسطين .

هذه هي الأسباب الرئيسية ، الخارجية والداخلية، لكارثة فلسطين أوردتها لكم بإيجاز ففيها عبرة وذكرى للأمة العربية .